مثلما تفرّد القرآن الكريم بالحديث عن المسيح قبل مولده، تفرد أيضاً بالحديث عنه يوم القيامة يوم يقوم الأشهاد. ففي موقف مستقبلي مهيب، يرسم القرآن الكريم مشهداً جليلاً يصور فيه موقف المسيح مع إخوانه الأنبياء بين يدي الله تعالى يوم الحساب…

(مقتطف من المقال)

د. عبد المعطي الدالاتي

نهايــة المسـيح عليـه السـلام

المسيح

إن المسلم لا يكون مسلماً أبداً إن لم يؤمن بأنبياء الله كلهم كإيمانه بمحمد عليه السلام، فإذا كفر بواحد منهم، أو تناوله بكلمة سوء واحدة، فقد انسلخ عن الإسلام.

لم تكن نهاية السيد المسيح على الأرض أقل عجباً من ولادته! فبعد أن لاقت دعوته الرفض من يهود، وبعد أن بهتوا أمه البتول، فاض حقدهم عليه، فعزموا على قتله وصلبه، فنجّاه الله منهم ورفعه إليه، “وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيماً، وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا” (النساء-157-156)، وفي إنجيل برنابا نقرأ: “دخلت الجنود وألقوا أيديهم على يهوذا لأنه كان شبيهاً بيسوع من كل وجه.. فأخذ الجنود يهوذا وأوثقوه.. وقادوه إلى جبل الجمجمة، وهناك صلبوه، ولم يفعل يهوذا شيئاً سوى الصراخ: يا الله لماذا تركتني”(29)، وفي هذا العصر برّأت الكنيسة اليهود من دم المسيح، لاقتناعها ضمناً بأن المصلوب لم يكن المسيح، وإلا فهل يعقل أن تُفرِّط الكنيسة بدم المسيح هذا التفريط مهما كانت الأسباب؟!. ونتساءل مع الدكتور سامي عصاصة: “هل اســتغرق اكتـشـــاف هــذا الخطأ ألفي عـام قبــل أن يجري تصحيحه؟!”(30).

ومثلما تفرّد القرآن الكريم بالحديث عن المسيح قبل مولده، تفرد أيضاً بالحديث عنه يوم القيامة يوم يقوم الأشهاد. ففي موقف مستقبلي مهيب، يرسم القرآن الكريم مشهداً جليلاً يصور فيه موقف المسيح مع إخوانه الأنبياء بين يدي الله تعالى يوم الحساب: “وَإِذْ قَالَ اللّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ، مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ” (المائدة:118-116).

إنه استجوابٌ هائل في موقف مرهوب، وجوابٌ من المسيح كله أدب مع الله، “إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ” فهو لم يقل في جوابه “لا لم أقله” ! وهذا من أبلغ الأدب مع الله تعالى، وحقاً إن التاريخ يغدو قصة فارغة إذا خلا من أدب الأنبياء، ومن سير الأنبياء، ومن تعاليم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

تاريـخ المســلم

وثمة كلمة مسلمة نقولها في المسيح عليه السلام: إن المسلم لا يكون مسلماً أبداً إن لم يؤمن بأنبياء الله كلهم كإيمانه بمحمد عليه السلام، فإذا كفر بواحد منهم، أو تناوله بكلمة سوء واحدة، فقد انسلخ عن الإسلام، فمن لا يؤمن برسول من الرسل الكرام هو كمن لا يؤمن به كلهم، وإن تاريخ المسلم هو تاريخ الرسالات السماوية كلها، فهو يؤمن بإبراهيم وموسى وعيسى، وبالتوراة والإنجيل كإيمانه بمحمد وبالقرآن سواء بسواء، قال الله تعالى: “… وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ”  (البقرة:285).

والمسلم يسير أبداً في ركب الأنبياء عليهم السلام، فهو يترسَّم خُطاهم، ويعتبر تاريخَهم تاريخَه، ونحن المسلمين، مذ كنا صغاراً تفتحت قلوبنا على آدم في جنته، وعلى نوح في سفينته، وعلى إبراهيم يحطم الأصنام بساعديه، وعلى موسى إذ يشق البحر بعصاه، وعلى عيسى بن مريم إذ أتت به قومها تحمله فكلمهم في المهد، وعلى محمد في غاره يردّد قول الأمين جبريل: “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ“.. نحن المسلمين-يقول القرضاوي: “إذا جاءنا اليهود تحت راية موسى، جئناهم تحت رايــة موســـى وعيســى ومحمد عليهم السلام”، ونحن المسـلمين لا نعيش – بحمد الله – أية عقدة تجاه أية رسالة سماوية أو أي رسول، ونحن كما قال نبينا محمد، “أولى الناس بعيسى بن مريم” إذ يسكن حبه وحب أمه الطاهرة في أعماقنا، وهذا الحب لا يوازيه إلا محبتنا لسائر الأنبياء الكرام.

هذه هي نظرتنا إلى الأنبياء فهل سينظر أتباعهم إلى نبينا النظرة ذاتها؟ يقول م. كويت “قد شب أغلب الغربيين على كراهية الإسلام، بينما شب المسلمون على حب المسيح والإنجيل المنزل عليه”. ويقول البريطاني أرسكين تشايلدرز: “إن العلاقة بين المسلمين وغيرهم لم تكن متوازنة من البداية! فقد اعترف الإسلام بالديانات السماوية واعتبر الإيمان بأنبيائها جزءاً من سلامة اعتقاد المسلم، في حين أن أهل هذه الأديان لم يعترفوا بالإسلام ولم يهادنوه يوماً”.

ويقول رينيه ديكارت في (مقالة الطريقة ): “نحن والمسلمون في هذه الحياة.. ولكنهم يعملون بالرسالتين العيسوية والمحمدية، ونحن لا نعمل بالثانية، ولو أنصفنا لكنا معهم جنباً إلى جنب لأن رسالتهم فيها ما يتلاءم مع كل زمان”، ويقول المسلم د. محمد غريب: “لو عرف المسيحيون الإسلام وأسلموا لأكرموا المسيح عليه السلام أكثر”.

نأمل أن يكون البحث عن الحقيقة هو رائد الناس.. كل الناس، ونأمل أن يؤدي الصدق مع الذات إلى مراجعة واعية للمواقف والاعتقادات، ونرجو أن يؤدي التفكر والحوار الموضوعي دورهما في طريق البحث عن الحقيقة.


المصدر: بتصرف يسير عن كتاب (ربحت محمدا ولم أخسر المسيح).

[ica_orginalurl]

Similar Posts