بقلم: فيصــل الـزامــل

المواطنة في الماضي لها ركائز، وقد تغيرت هذه الركائز في القرن العشرين، ثم هي تشهد منحنى جديداً في القرن الحادي والعشرين.

المواطنة

المواطنة سياج الأمان للمجتمع

في الماضي كان من أبرز ركائز المواطنة الانتماء العرقي؛ ففي الجزيرة العربية -على سبيل المثال- كانت الحدود الجغرافية للصقاع والبقاع من الأراضي تتحدد بتبعية المراعي أو المدن والهجر للقبائل، ومنها تكتسب تلك الأراضي أسماءها، فيقال: بلاد طيئ وأراضي بكر وتميم، وهكذا.. الحال كذلك في أوروبا فليست هنغاريا إلا الموطن الذي استقرت فيه قبائل الهنغار بعد نزوحها من وسط آسيا، وكذلك قبائل البلغار التي اكتسبت دولة بلغاريا منها اسمها، ومثل ذلك حال قبائل الجرمان في ألمانيا.

ويبلغ التشابه بين الأمم في هذا الأمر حدا تجد معه ضريبة المرور في أراضي كل قبيلة متماثلة؛ ففي بادية الشام يدفع المسافرون في أثناء مرورهم بأرض الحويطات -على سبيل المثال- فتخفرهم تلك القبيلة في أثناء عبورهم، ومثل ذلك كان يحدث في أثناء عبور السفن نهر الراين في ألمانيا لكل نبيل من النبلاء الذين وضعوا القلاع على ضفاف النهر لجباية ضريبة المرور هذه، ومن يعترض عليها تطبق في حقه العقوبة. شيء من ذلك حدث في السواحل البحرية التي تمر ببلاد معينة، والتي تحولت فيما بعد إلى القرصنة، ولا حاجة للإسهاب في ذكر الأمثلة.

هذا عن الماضي، وأما في القرن العشرين فقد شهد الانتماء العرقي الذي ترتكز عليه المواطنة تشويهاً كبيراً اتجه نحو تسخير الأمم الأقل اقتداراً لصالح الأكثر قوة، فشهد هذا القرن حربين كونيتين كان المحرك فيهما الرغبة المحمومة في إعلاء شأن النداء العرقي في منظومة المواطنة، وكاد الحال أن يصل بالبشرية إلى فحص الدماء لكل طالب استخراج وثيقة المواطنة للتأكد من نوعية مزيجها بين الأعراق، ونقاوتها من الدماء الأدنى مرتبة!

لا تعجب -عزيزي القارئ- ففي الولايات المتحدة لا تزال طلبات استصدار تلك الوثائق تشير إلى الأصول العرقية لمن يملأ تلك الطلبات (أبيض – أسود – أصفر – إسباني… إلخ). نعم، إن ركائز المواطنة تتأثر بالآصرة العرقية، ولسنا في معرض نفي تلك الآصرة ولكن الاعتراض هو على المبلغ الذي بلغته حتى صار بلد مثل الهند الذي تبلغ كثافة سكانه 800 مليون نسمة منهم 200 مليون إنسان مصنفون رسمياً تحت اسم المنبوذين «طائفة أتشوت» وهم يواجهون كل ما تتخيله من معاني الازدراء والتعدي على ضعفائهم بداعي الدونية في رتبة المواطنة لديهم، ونحن نردد باستمرار أن الهند هو بلد أعرق الحضارات الشرقية!

لقد قدم الإسلام  إلى البشرية  نظرة مختلفة لمفهوم المواطنة، ففي الأثر “إنما العربية اللسان”؛ أي أن الانتماء إلى العروبة لا يتحقق بفحص نقاوة الدم، وإنما تحدده اللغة التي يستخدمها الإنسان في موطنه، وذلك في معاملاته ونشاطه اليومي، فإذا كانت العربية فهو عربي، ومثل ذلك يقال عَمَّن يعيش في فرنسا، ويستخدم اللغة الفرنسية في معاملاته وحياته الطبيعية؛ فهو فرنسي المواطنة، وقد اعتمدت هيئة الأمم المتحدة هذا التعريف للمواطنة بحسب لغة المعاش اليومي.

إنني لا أستسيغ أن يقول المرء عن نفسه: إنه جزائري أو خليجي أو هندي أو تركي وهو يعيش في بلد أوروبي عيشة المواطن يستخدم لغة ذلك البلد لعقود طويلة من الزمن، وربما حمل وثائق السفر أو التابعية، وأنجب أبناءه على تلك الأرض، فإذا حدثت مناسبة سياسية في تركيا -كمثال- سارت المظاهرات في شوارع هولندا، وهي تحمل العلم التركي تاركاً خلفها جميع  مظاهر التوجس والشك من قبل المجتمع الهولندي، الذي يتفاعل (هو)  معه في كل مكوناته.

نعم، لم يقل أحد إن الديانة متلازمة مع المواطنة، فهذا المسلم ذو الأصل الجزائري هو فرنسي الجنسية، وهو في الوقت نفسه مسلم الديانة، ولا يملك أحد أن يفرض عليه نوع الطعام ولا حتى شكل اللباس الذي يختاره، فضلاً عن الديانة التي يعتنقها، والشيء نفسه مكفول للفرنسي المسيحي واليهودي، وما هو محل نظر في مقاييس المواطنة هي تلك الازدواجية في اختيار الموطن، وهي التي بغضت الناس في معظم أنحاء العالم باليهود الذين يوجهون أموال بلادهم الغربية إلى موطن مواز هو إسرائيل.

نعم.. إن “المسلم” الفرنسي يحب لبلده فرنسا الخير حسبما يأمره دينه، وليس حسبما كتب الشاعر “فولتير” ولا جان جاك روسو، وإذا نجح المسلم الفرنسي -كمثال- في ترتيب هذه العلاقة التراكبية فإنه ينزع فتيلاً يهدد حياته الشخصية، حيث قد أدى العجز عن حل هذه الإشكالية إلى صدام حضارات بين الأب ذي الأصل الجزائري وأبنائه الذين يرفضون اعتبار أنفسهم جزائريين، والحال كذلك لكافة المهاجرين في الولايات المتحدة والبرازيل وغيرها؛ حيث اتسعت الفجوة النفسية بين الجيل الأول من المهاجرين وأبنائهم ثم أحفادهم، وما كان ذلك ليحدث لو نجح الجيل الأول في الفرز بين حقوق المواطنة والهوية الدينية.

إن للوطن حقًّا على من يعيش فوق ترابه وعليه أن يرعاه، وفي المقابل فإن للمواطن حقًّا على وطنه أن يسمح له باختيار ديانته، وعلى الوطن أن يرعى له هذا الحق، ولذلك جاءت القاعدة القرآنية الأصيلة {لا إكراه في الدين}.

إننا نوجه النداء إلى الشعوب المسلمة التي تعيش في بلاد -تكون هي فيها أقلية- بضرورة بلورة مفهوم المواطنة؛ وذلك لإحداث سلام بين الأجيال الناشئة والأجيال السابقة من تلك الشعوب، سلام يقوم على اعتراف بالحب الفطري لدى الإنسان تجاه الأرض التي ولد على ترابها، ونشأ في جنباتها، حتى وإن خالفت قناعاته، أو ديانته، وانظر إن شئت إلى حب النبي صلى الله عليه وسلم لمكة المكرمة، رغم ما قاساه من أهلها من صنوف العذاب والتعدي، فعندما قدم أبان بن العاص إلى المدينة مهاجراً سأله النبي عليه الصلاة والسلام: “يا أبان، كيف تركت مكة؟”.
فقال: “تركت الإذخر وقد أعرق، والثمام وقد أورق…”.. وهي نباتات مكة في فصل الربيع، فاغرورقت عينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد تذكر مرابع الصبا، وملاعب الطفولة.

بل إن يوسف -عليه السلام- رغم أنه بلغ ما بلغ من مراتب الحكم، فإنه أوصى بأن يحمل جثمانه ليدفن في فلسطين، ورفض فرعون تنفيذ وصيته، فلما بعث الله موسى عليه السلام، وأهلك فرعون بالغرق، نفذ موسى وصية يوسف، وحمله إلى الأرض المقدسة ليدفن حيث أحب أن يدفن، بقرب والده يعقوب عليه السلام.

إذن، هو حب فطري، وعلينا ألا نصادمه، بل ننظمه ونضع له الضوابط للتمييز بين حب الخير لبلد غير مسلم،  ولكنه صار الآن  بلدا، وموطنا لشعب مسلم يعيش على أرضه؛ فيكون حبك لبلدك هذا نابعاً من حبك الهداية لأهله، والاستقامة وأنت في ذلك تجتهد في نشر الدعوة بينهم وفق الأدوات المتاحة، ومن خلال الدولة، لا من خارجها.

[ica_orginalurl]

Similar Posts