الوفاء بالعقود من أهم ضوابط الحياة للإنسان مع ربه ومع نفسه، ومع غيره من الناس في مجتمعه، ومع بقية بني آدم في المجتمع الإنساني الواسع من حوله، ومع الأحياء والجمادات المحيطة به…

(مقتطف من المقال)

الدكتور: زغلول النجار

الوفاء بالعقود

العقد أصلا يكون بين طرفين وفيه معني الاستيثاق والشد.

قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ…” (المائدة:419).

هذا النص القرآني الكريم جاء في مطلع سورة المائدة، ‏وهي سورة مدنية‏، وآياتها مائة وعشرون بعد البسملة‏، وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى المائدة التي أنزلها الله – تعالي- من السماء علي عبده ورسوله المسيح عيسي بن مريم‏.

كرامة له واستجابة لدعائه. ويدور المحور الرئيسي لسورة المائدة حول قضايا التشريع الإسلامي – شأنها في ذلك شأن كل السور المدنية – ومن ذلك التشريع بعدد من الأحكام اللازمة لإقامة الدولة الإسلامية، وتنظيم مجتمعاتها على أساس من الإيمان بوحدانية الخالق – سبحانه وتعالي – وألوهيته، وربوبيته، وتفرده بالحاكمية المطلقة فوق جميع خلقه، ومن ثم كان التشريع لعباده من حقه -تعالي ـ وحده.

ونركز هنا علي وجه الإعجاز التشريعي في الأمر بالوفاء بالعقود.

من أوجه الإعجاز التشريعي في النص الكريم

(الوفاء) و(الإيفاء) هو الإتيان بالشيء وافيا؛ يقال في اللغة: (وفي)(يفي)(وفاء) بالعهد أو بالوعد أي: حافظ عليه وأتمه.

و(العقود) جمع (عقد)، وأصله الربط محكما، فتجوز به عن العهد الموثق، وهو المراد بقوله ـ تعالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ…) أي حافظوا علي عهودكم المؤكدة، ومنها ما ألزمهم الله – تعالي- به وعقده عليهم من التكاليف، ومنها ما يعقدونه هم فيما بينهم من عقود المعاملات، والأمانات ونحوها مما يطلب شرعا الوفاء به وفاء كاملا غير منقوص.

و الوفاء بالعقود من أهم ضوابط الحياة للإنسان مع ربه ومع نفسه، ومع غيره من الناس في مجتمعه، ومع بقية بني آدم في المجتمع الإنساني الواسع من حوله، ومع الأحياء والجمادات المحيطة به.

والإسلام حدد هذه الضوابط بدقة فائقة، ووضوح تام، وربطها كلها بمرضاة الله- سبحانه وتعالى حتى لا يمكن الترخص فيها، أو انتهاك شروطها، أو إخضاعها للأهواء والشهوات المتقلبة، أو لبعض المكاسب المادية العارضة، أو التفريط في الالتزام ببنودها المحددة.

فهذه الضوابط التي أقامها الله تعالي لمصلحة الإنسان الذي خلقه بيديه، ونفخ فيه من روحه، وعلمه من علمه، وأدخله الجنة، وأسجد له الملائكة، وكرمه وفضله علي كثير ممن خلق تفضيلا، هي للمحافظة علي مقامات التكريم التي رفع الله ـ تعالي الإنسان إليها.

ومن ثم فإن على كل إنسان عاقل أن يلزم نفسه بها طاعة لله ـ تعالي ويقينا بأن هذه الضوابط التي سماها ربنا- تبارك وتعالي- باسم العقود هي طوق النجاة له في الدنيا والآخرة.

و الوفاء بالعقود- سواء كانت تلك العقود بين العبد وربه، أو بين العبد وغيره من عباد الله- يشمل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وعبادة الله- تعالي- بما أمر، وحسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض بعمارتها وإقامة شرع الله وعدله في ربوعها، كما يشمل التزام الحلال واجتناب الحرام في كل ما شرع الله، ويشمل الصدق في القول، والإخلاص في العمل، والأمانة في السر والعلن، وذلك لأن الوفاء بالعقود يدخل فيه ما يتعاقده الناس فيما بينهم.

والعقد أصلا يكون بين طرفين وفيه معني الاستيثاق والشد، بخلاف عهد يكون من طرف واحد، ويدخل في الأخير الالتزام بالإرادة المنفردة وبهذا سبق القرآن الكريم كل القوانين الوضعية، لأن العقد- في الإسلام- هو شريعة المتعاقدين. والآية الكريمة تحض جميع المتعاقدين على الالتزام بجميع العهود التي بينهم وبين ربهم، والعقود المشروعة بينهم وبين الناس.

وعلى ذلك فالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره هو وجه من أوجه وفاء العهد مع الله. ومحبة رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم- هي وجه من ذلك، وكذلك أداء الفرائض، والإكثار من النوافل وإخلاص النية لله في كل أمر والإحسان في العبادة (بمعني أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك).

وبالإضافة إلى ذلك فإن التزام العبد من عباد الله بمكارم الأخلاق هو من أوجه وفاء العهد مع الله – تعالي- ومع سائر خلقه. ومن ذلك الصدق في القول والعمل، والعدل في الرضا والغضب، والوقار والجد في السلوك والإنصاف والرحمة، والحلم والأناة، والكرم والمروءة، والسماحة والرفق، والحياء والتواضع مع الشجاعة في الحق، والوفاء بالوعد، والمحافظة علي العهد، ورد الأمانات إلي أصحابها. وفي ذلك يقول رسول الله- صلي الله عليه و سلم:

  • من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته.
  • آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان.
  • أبغض الرجال إلي الله الألد الخصم.
  • أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك.
  • إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهي أمانة.
  • أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: صدق الحديث، وحفظ الأمانة، وحسن الخلق، وعفة المطعم.
  • المستشار مؤتمن.

من هنا كان أمر الله – سبحانه وتعالي- للذين آمنوا من عباده أن يوفوا بالعقود، أي: أن يحافظوا علي ما عاهدوا الله – تعالي- عليه من صدق الإيمان به، وجميل التوكل عليه، والالتزام بطاعته واجتناب نواهيه، ومن فهم صحيح لرسالة الإنسان في هذه الحياة الدنيا: عبدا لله – تعالي- خلقه لعبادة ربه بما أمر ولحسن القيام بواجب الاستخلاف في الأرض بعمارتها وإقامة شرع الله في ربوعها، وبالإكثار من الأعمال الصالحة، وبمحاسبة النفس وتزكيتها، وبالمجاهدة لنصرة دين الله، وإعلاء كلمته في الأرض، وبالإحسان إلي جميع خلقه في غير رياء ولا سمعة، والتعامل معهم بالصدق في القول والعمل، وباحترام العهود والمواثيق، وبأداء الأمانات إلي أهلها في شيء من المروءة والكرم، والسماحة والرحمة، والعدل والإنصاف حتى تستقيم الحياة علي الأرض، التي لا يمكن لها ذلك إذا ضيعت الأمانة، وأهدرت العقود.

وهنا يتضح وجه الإعجاز التشريعي في الأمر بالوفاء بالعقود لأنه من شروط استقامة الحياة على الأرض، والله يقول الحق ويهدي إلي سواء السبيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


المصدر: موقع فضيلة الدكتور زغلول النجار

[ica_orginalurl]

Similar Posts