د. يونس عبدالله ما تشنغ بين الصيني

من لطف الله بعباده وحكمته في العناية بالمسلمين أن يبعث علماء ربانيين كلما أصاب الأمة بلاء أو سوء لحماية دينهم، ولتبصرة عقولهم، وإيقاظ هممهم، ولذلك نجد

الإمام تشنغ كه ل

سعى لتجديد الإسلام من خلال الترجمة والتأليف

هؤلاء العلماء الربانيين ممن جدد الله بهم دين الإسلام؛ ظاهرين في مختلف البلدان، وسط العرب والأعجم، قديما وحديثا، يربطهم جميعا رباط الإيمان والتقوى. وفي هذه السلسلة المباركة من أهل الله الذين جدد الله دينهم القويم في منطقة شرق آسيا، وبالتحديد في الصين الشعبية؛ إمامنا المفكر الإسلامي الشهيد يوسف تشنغ كه لي (Chen Ke Li) رحمه الله تعالى، الذي جمع بين حبر العلماء ودماء الشهداء، في سبيل الدين والحق، في أرض الصين، في القرن الماضي(2). والإمام الشهيد يوسف تشنغ كه لي (Chen Ke Li) رحمه الله تعالى، يعتبر أحد هؤلاء الخالدين في تاريخ الصين خاصة، وفي العالم الإسلامي عامة.

ولد الشهيد يوسف تشنغ كه لي (Chen Ke Li) رحمه الله، عام 1923م، بقرية تشانغ قه (Chang Ge) ببلدة ينغ تشياو(Ying Qiao) من محافظة شيانغ تشن (Xiang Chen) لمقاطعة خه نان(He Nan) بالصين. وبدأ يدرس اللغة العربية والدين الإسلامي وهو في التاسعة من عمره، في المسجد بقريته، ثم واصل دراسته للعلوم الإسلامية على أيدي العلماء الصينيين الأجلاء من مسجد إلى آخر، وسافر بعد بدء حرب المناضلة للغزاة اليابانيين إلى محافظة بينغ ليانغ.ن مقاطعة قانسوا لمتابعة دراسته الدينية، ثم واصل دراسته في تخصص اللغة العربية بمدرسة المعلمين بشرق قانسوا، وفي عام 1947م التحق بمعهد العلوم الإسلامية ببكين؛ لمواصلة الدراسة في العلوم الإسلامية. وبعد تخرجه منه عام 1954م، عين إماما في مسجد ينغ تشياو (Ying Qiao) في قريته، وتم تعيينه كمدرس مساعد للغة العربية وآدابها في جامعة بكين عام 1955م، بترشيح من أستاذه محمد مكين، رحمه الله. وغادر الجامعة 1955م للتفرغ الكامل في ترجمة الكتب الدينية، ثم عين مدرسا في معهد العلوم الإسلامية عام 1957م، وعاد إلى قريته في السنة نفسها، بعد مغادرته المعهد. فوقعت الطامة الكبرى على الشهيد ابتداء من عام 1958م، حتى أعدم ظلما عام 1970م.

إن حياة الشهيد المجيدة كانت خالصة لوجه الله؛ مدافعا عن الحق أينما كان وحل، وما كان ينحني أمام نفوذ الشر أو يخافه؛ بل كان يلتزم بالحق من البداية إلى النهاية، وقد فضل الموت بالعزة وهو مرفوع الرأس على الاستسلام، وحافظ على كرامة المثقفين المستقيمين. وما كان الشهيد نموذجا للمثقفين المسلمين الصينيين خاصة؛ بل كان مثلا بارزا للمثقفين الصينيين عامة، وقدوة وأسوة خالدة للمسلمين في الصين داخلها وخارجها.

 تجديد الفكر الإسلامي من خلال التأليف والترجمة

إن للشهيد يوسف تشنغ كه لي إنجازات عظيمة في التأليف والترجمة حول الحضارة الإسلامية، والفكر الإسلامي، والسنة النبوية الشريفة. ومن أهم مؤلفاته كتابه المشهور «معرفة الإسلام عن طريق معرفة محمد صلى الله عليه وسلم»، وقد نشر هذا الكتاب عام 1951م في بكين، وتم ترجمته إلى العديد من اللغات الأجنبية، منها: العربية والملايوية والأوردية (4) وقد صار الكتاب معلما من معالم الطريق إلى الدين الإسلامي الصحيح بين المسلمين، وجعل المسلمين في الصين يفهمون الإسلام فهما صحيحا، من خلال قراءة محتوياته. والجدير بالذكر أن هذا الكتاب تم تأليفه في شهر سبتمبر عام 1950م، وكان عالمنا في السابعة والعشرين من عمره، والكتاب يحتوي على مائتي ألف كلمة وأكثر. وفي هذا الكتاب ذكر الشهيد عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنجازاته الكبرى، كما بين تمييز الباطل من الحق، وكيفية معرفة جوهر الإسلام وأحكامه.

ومن الأعمال التي ترجمها الشهيد والأكثر تأثيرا بين المسلمين كتاب «التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول  صلى الله عليه وسلم  للشيخ منصور علي ناصف»، ويعد هذا الكتاب فريدا من نوعه لشموله على جميع أبواب الفقه، ولم يسبق في تاريخ الصين ترجمة كتاب شامل من كتب السنة النبوية الشريفة، جمع أبواب الفقه كلها قبل كتابه هذا. ونشر الجزء الأول منه في بكين عام 1945م، فبدأ المسلمون إحياء سنة النبي صلى الله عليه وسلم  من خلال هذا الكتاب، وإماتة البدعة والخرافات التقليدية التي توارثوها؛ حيث تأثرت ثقافة المسلمين الدينية بالمعتقدات والثقافات الصينية المحلية، وخاصة تلك الثقافة المتأصلة في المجتمع الصيني بشكل عام لدى جميع طبقات الشعب، النابعة من الكنفوشيوسية والطاوية والبوذية منذ مئات السنين (5).

ومن اللطف الإلهي أن الشهيد يوسف تشن كه لي قد تعلم اللغة العربية والعلوم الإسلامية وتعمق فيها على أيدي العلماء المسلمين في الصين، بينما لم يسافر في حياته إلى البلاد الإسلامية والعربية لمواصلة الدراسة كبقية العلماء الذين تخرجوا من الجامعات الإسلامية والعربية، وبالأخص جامعة الأزهر الشريف.

وفاة الإمام

وقد رأى الشهيد الأضرار التي أحدثتها الثورة الثقافية على الدولة والشعب أيام الثورة الثقافية، فكتب رسالتين باسمه إلى وزير الخارجية ورئيس مجلس الدولة؛ مطالبا رجال الحكم بالكف عنها، وقد بين أن بعض الفكر الاشتراكي الصحيح منبعه من الإسلام، وأشار إلى أن الإسلام يمكن أن يكون منهجا ملائما لتطوير الصين، وتنميتها، وطلب من الحكومة توفير العمل له باعتباره مواطنا صينيا بدون شروط، حيث صار عاطلا عن العمل بعد الإفراج عنه من الحبس في مركز الإصلاح الإجباري، كما طالب من الحكومة أن ترسله إلى إحدى الدول العربية لمواصلة دراسته العربية والإسلامية نظرا لتخصصه، مع وعده بالعودة والمساهمة في تطوير الصين وتقدمها. ولم تشفع له كلماته ولا تعبيراته، كما لم يشفع صمته وسكوته أمام رجال الثورة الثقافية في إنقاذ حياته وإطلاق حريته؛ بل كلامه وسكوته كلاهما كان يعتبر تحديا وعنادا وإنكارا لفلسفة الثورة الثقافية، فحكم عليه بالإعدام بحجة معارضته لتلك الثورة، ولم يحزن الشهيد بما حكم عليه.

وفي اليوم الأول بعد الإعلان عن حكم الإعدام طلب الشهيد ممن كان يحرسه أوراقا وقلما لتسجيل خواطره الملتهبة؛ حتى يكون ذلك مساهمته الأخيرة لأمة الإسلام في حماية دينهم ومستقبل تقدمهم؛ لم يلق القبول من قبل الحراس، وفي اليوم الثاني طلب من رجال السجن السماح برؤية ولده وبنته؛ فرفض الطلب أيضا، وفي النهاية تم إعدامه في 5 يوليو 1970م، وقد نال الشهادة مرفوع الرأس قارئا سورة الفاتحة بصوت مرتفع، ناطقا بشهادة «لا إله إلا الله»، وكانت آخر كلمة خرجت من فمه «الله أكبر»!! وهكذا سقط نجم من نجوم المفكرين الإسلاميين بعد أن قدم دمه وفكره وعقله لدين الله –عز وجل- وهو في السادسة والأربعين من عمره،

ومن محاسن القول أن نجد هيئات إسلامية ومراكز بحوث علمية رسمية وأهلية قد بدأت تهتم بدراسة سيرة هذا الإمام وأفكاره. والجدير بالذكر أن حكومة الصين أعلنت عام 1980م براءة الإمام من جميع التهم التي ألصقت به وقتل من أجلها، {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا } (الإسراء:81).

——-

هوامش:

1- أبو الحسن علي الحسيني الندوي، الإمام السرهندي حياته وأعماله، دار القلم، الكويت، ط1، 1983م، ص3.

2- الدكتور يونس عبدالله ما تشنغ بين الصيني، يوسف شنغ كه لي عالم صيني مسلم جمع بين حبر العلماء ودماء الشهداء، مجلة «الرابطة»، مكة المكرمة، السعودية: رابطة العالم الإسلامي، العدد 556، يناير 2013م، ص65.

3- مؤسسة البحوث والمشاريع الإسلامية، بإشراف فتحي يكن، الموسوعة الحركية: مؤسسة الرسالة، دون الناشر ومكان النشر، م1، 1979م، ص55.

4- تشنغ كه لي (Chen Ke Li)، معرفة الإسلام عن طريق معرفة محمد  ” صلى الله عليه وسلم”  (الصين: د.ن، د.م، ط3، أكتوبر 1980م)، ص2.

5- عبيد ما جي تانغ (Ma Ji Tang)، سيرة تشنغ كه لي، الشركة المحدودة للكتب، تيان ما بهونغ كونغ، 2003م، ط1، ص251.

——–

المصدر: الوعي الشبابي.

 

[ica_orginalurl]

Similar Posts