يعد إتيان دينيه من الفنانين التشكيليين والكتاب الذين لهم حضور عالمي وإنساني من خلال لوحاته التي تصور الإنسان والمكان، وكتاباته التي تدافع عن الإسلام

(مقتطف من المقال)

إعداد/ فريق التحرير

دينيه

ألفونس إيتيان دينيه

هو الرسام العالمي (ألفونس إيتيان دينيه) وُلِد في باريس عام 1861 لأبوين مسيحيين كاثوليكيين، شب وترعرع على عقيدة التثليث والصلب والفداء والغفران، ولكن على مر الزمن كان يستوليه شعور بالقلق والحيرة من الناحية الدينية، خصوصًا عندما يفكر في مصيره؛ مما دعاه إلى السعي جاهدًا في البحث والتأمل والتفكير في الكون، وفي النصوص المقدسة، لذلك فكَّر في المسيحية وفي الكنيسة، وفي البابا المعصوم، وفيما تربَّى عليه من عقيدة التثليث والصلب والفداء والغفران.

وبعد أن عَقَدَ عِدة مقارنات بين الإسلام والمسيحية في موضوعات تتعلق بالألوهية والصلاة والتسامح والعلم، انتهى به المطاف إلى أن أعلن رسميًّا إسلامه عام 1927م، وتحول اسمه من (إتيان دينيه) إلى (ناصر الدين دينيه).

حياة إتيان دينيه

كان إتيان كاتباً ينفذ قلمه إلى أعماق النفس الإنسانية، وكان تشكيلياً يلتمس حياة الناس البسطاء، ويصور همومهم، فتجرد قلمه كما تجردت ريشته من ملونات الاستشراق السياحي التي كانت واضحةً في أعمال غيره من المستشرقين.

عاش إتيان وأسلم ودفن في دولة الجزائر وتحديدا في بوسعادة إلى جوار رفيق دربه إبراهيم باعامر، الذي أسلم على يديه، وكان قريباً منه ومشاركاً له في مجالات حياته الفنية والفكرية. كما يعد دينيه من الفنانين التشكيليين والكتاب الذين لهم حضور عالمي وإنساني من خلال لوحاته التي تصور الإنسان والمكان، وكتاباته التي تدافع عن الإسلام.

قدِم إتيان دينيه إلى الجزائر من فرنسا، وتحديداً من أرض الحضارة المادية باريس، المولود فيها عام 1861م من أب مسيحي كان يعمل رئيساً لإحدى المحاكم بمنطقة السين بفرنسا. درس المرحلة الثانوية بثانوية هنري الرابع في باريس عام 1871م، نال بعدها شهادة البكالوريا، وكان خلالها يمتلك موهبة الرسم حتى نال أول جائزة في مسابقة الرسم عام 1879م. وخلال عام 1880م عمل في الخدمة الوطنية في فرنسا، وبعد أن أنهى الخدمة العسكرية التحق بمدرسة الفنون الجميلة في باريس عام 1881م، وفي عام 1882م سجل في أكاديمية جوليان، وفي العام نفسه عرض أعماله في صالون الفنانين الفرنسيين، أما عام 1883م فكان بداية المجد والشهرة له؛ إذ نال ميدالية الرتبة الثالثة عن إحدى لوحاته التي تمثّل منطقة سموا في فرنسا.

من إتيان دينيه إلى ناصر الدين

لم يكن يعلم دينيه أن عام 1884م هو بداية طريق الهداية والنور بعد الظلام؛ ففي هذا العام سافر إلى الجزائر أول مرة مع فرقة من علماء من منطقة بوسعادة، ولما أحسّ بالراحة النفسية والطمأنينة كرّر الزيارة عام 1885م، لكن هذه المرة كانت لمنطقتي الأغواط والجنوب الجزائري، تكرّرت بعدها سفراته إلى الجزائر لدرجة أنه كان يقضي ستة أشهر كل عام في الجزائر.

عاد بعدها إلى فرنسا يمارس هواية الرسم والتلوين باحترافية عالية، وأسّس بعد هذا النجاح والتميز رابطة الرسامين المستشرقين الفرنسيين عام 1887م، ثم سافر إلى الجزائر ليزور منطقتي الأغواط والبسكرة، ثم يستقر في بوسعادة التي وجد فيها راحته وطمأنينته، فصوّر طبيعتها التي سحرته، وبيوتاتها، وأزقتها، وناسها ببساطة عيشهم، وحبهم للآخرين؛ فأسلم بعد أن كان في صراع داخلي مع نفسه ومع ألوهية المسيح، وكان ذلك عام 1913م؛ إذ نطق دينيه الشهادتين بحضور مفتي الجزائر.

وهكذا أصبح دينيه الفرنسي ناصر الدين دينيه -وهو الاسم الذي فضّله بعد دخوله الإسلام- مسلماً يقرأ القرآن ويصلي، بل يحجّ إلى بيت الله الحرام، ولم يكن اعتناقه الإسلام نتيجة تجربة أو تأثر بسيط، بل كان -كما يذكر- نتيجة بحث ودراسة تاريخية معمقة لجميع الديانات.

ويصف دينيه كيف تعرّف على الإسلام قائلاً: عرفت الإسلام فأحسستُ بانجذاب نحوه، وميل إليه، فدرسته في كتاب الله، فوجدته هدايةً لعموم البشر، ووجدت فيه ما يكفل خير الإنسان روحياً ومادياً، فاعتقدت أنه أقوم الأديان لعبادة الله، واتخذته ديناً، وأعلنت ذلك رسمياً على رؤوس الملأ. وهذا الأمر جعل الغرب يصفونه بالخائن، حتى إن كاتبهم ج. دينيه. رولانس بعد أن اعترف بفنه قال: إن مواهبه كفنان نادرة، وأما بخصوص اعتناقه الدين الإسلامي فهذا أمر لا يمكن لعقليتنا الغربية العريقة والدينية أن تقبله.

مدينة السعادة سر إبداعه

خلال القرن التاسع عشر عاش في الجزائر كثير من الفنانين المستشرقين، الذين أعجبوا بها وبثرائها البيئي والثقافي والتراثي، أمثال: زعيم الحركة الرومانتيكية دولاكرو، الذي بهرته الجزائر بناسها وطبيعتها، وتعدّ لوحته (نساء من الجزائر) من أشهر أعماله، وأوجيه فرومنتان الذي زار الجزائر بصحبة بعثة للتنقيب الأثري عام 1852م، إضافةً إلى ناصر الدين دينيه الذي عشق بوسعادة أو (مدينة السعادة) كما يدلّ عليها اسمها؛ فهي محطة سياحية أسطورية، وأقرب واحة إلى الساحل الجزائري؛ لذا تُسمى أيضاً (بوابة الصحراء).

ويعدّ دينيه واحداً من الذين وقعوا في حب هذه المدينة السعيدة الساحرة؛ إذ عاش فيها أكثر سنوات عمره، واهتدى فيها قلبه إلى الإسلام، وبنى فيها بيته الذي أصبح متحفاً لأعماله بعد وفاته؛ لتكون موطنه الأبديّ بعد أن خصّها بأكثر من 139 لوحة تشكيلية تصوّر جمالها وبيوتاتها وأهلها، حتى أصبحت بوسعادة ملهمة الفنان دينيه، فأثّرت في تشكّل فنه وتقنياته وأدواته، فأبدع.

الحاج دينيه في مكة

عند بلوغ دينيه الـ68 من عمره حجّ إلى بيت الله الحرام برفقة صديقه باعامر عام 1929م، وبعد أن أنهى مناسك الحج كتب رسالته الشهيرة من المملكة العربية السعودية، وتحديداً من محافظة جدة، يقول فيها: هذه الرحلة تركت في نفسي انطباعات لم أشعر بما هو أسمى منها في كل حياتي؛ فلا أحد في العالم يمكنه أن يعطي فكرة عما شاهدته من جوانب هذه العقيدة الوحدانية، من حيث المساواة والإخوة بين نحو 250 ألفاً من الناس من مختلف الأجناس كانوا مزدحمين الواحد بجانب الآخر في صحراء موحشة.

 وبعد رجوعه من الحج سُمِّي بـ(الحاج ناصر الدين)، وعاد بعدها إلى باريس، ولم يتمكن من العودة إلى الجزائر؛ لأن المرض لازمه، فعاد إليها ميتاً بعد أن صلّى عليه كثير من الشخصيات الإسلامية، وممثّلون عن الحكومة الفرنسية في مسجد باريس الكبير، ثم نقل جثمانه -حسب وصيته- إلى الجزائر، ودفن في مقبرة (الدشرة القبلية) في بوسعادة في ضريحه الذي بناه لنفسه بجوار قبر رفيق دربه باعامر.

ناصر الدين ينصر الدين

لم يكن دينيه رساماً مشهوراً فقط، بل كان مفكراً وكاتباً، سخر قلمه لنصرة الإسلام والمسلمين؛ إذ نشر آراءه في كثير من الكتب التي يتحدث فيها عن الإسلام، وعظمته، وسعة أفق علمائه، وأنه لا يقيّد التفكير بقدر ما هو يوسع المدارك، يرد فيها على كثير من كُتّاب الغرب المرجفين المشككين في حقيقة الإسلام وأهله، منها: أشعة خاصة بنور الإسلام، والشرق كما يراه الغرب، الذي تُرجم إلى العربية تحت عنوان: آراء غربية في مسائل شرقية، وكذا كتاب (إنك في وادٍ ونحن في وادٍ) يردّ على المستشرق لامانس؛ القسّ اليسوعي الحاقد على الإسلام وعلى نبيّ الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم.

وبعد عودته من الحج ألّف كتاب (الحج إلى بيت الله الحرام)، أما كتابه (محمد رسول الله)، الذي يصوّر فيه سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، والذي شاركه في تأليفه سليمان بن إبراهيم، فيعدّ من أهم مؤلفاته، وكان قد وضع مقدمة هذا الكتاب الشهير شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود في مارس عام 1956م.

وقد أحدثت كتبه دويّا في دوائر المستشرقين. يقول دينيه: لقد أكد الإسلام من الساعة الأولى لظهوره أنه دينٌ صالحٌ لكل زمان ومكان، إذ هو دين الفطرة، والفطرة لا تختلف في إنسان عن آخر.

 وبما أن دينيه كان فنانا موهوبا، فقد لفت نظره الجانب الجمالي والذوق الرفيع للحياة النبوية، يقول: لقد كان النبي يُعنى بنفسه عناية تامة، وقد عُرف له نمط من التأنق على غاية من البساطة، ولكن على جانب كبير من الذوق والجمال، كما يقول: إن حركات الصلاة منتظمة تفيد الجسم والروح معاً، وذات بساطة ولطافة وغير مسبوقة في صلاة غيرها.

دينيه كما رآه الآخرون

لقد تصدى في كتابه (الشرق في نظر الغرب) للرد على عدد كبير مــن المستشرقين الغربيين الذين كانوا يتهجمون على الدين الإسلامي عن جهل أو عن فهم سقيم. لقد وصفه الأوروبيون بأنه “خائن الغرب” ومع ذلك كان اختياره هذا نابع عن إيمان منطقي وعميق ودراية تامة.

قال شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود في مارس 1956 في مقدمة كتاب دينيه (محمد رسول الله) : لقد عاش فنانا بطبعه، كان مرهف الحس، رقيق الشعور، جياش العاطفة، وكان صاحب طبيعة متدينة أيضا.

وقال محمد راسم: إن فنه؛ وإن كان عصره قد تخطاه، إلا أنه يعتبر مرحلة من مراحل الإستشراق الإفريقي..

أما جان لونوا وهران 1962 فقال عنه: استطاع دينيه أن يصور الجمال أروع تصوير، وأن يستخرجه من الحقيقة التي لا توجد حقيقة سواها.

وقال لويس بينيديت، محافظ متحف لوكسمبــورغ: أثبــت بريشته في مواطن كثيرة ما كشف به قناع الوهم عن العيون، وما تمكن به من إثبات الحنو؛ كأنه بهذا أو ذاك يشاطر القوم السراء و الضراء.

وقال أحمد طالب الإبراهيمي: لن نكون من المنصفين؛ إذا نحن قلنا بأن دينيه وقع في الابتذال، وراح يبحث عن المناظر الغريبة في الصحراء الساحرة.. لقد آمن دينيه بالديانة الإسلامية إيمانا صادقا، ودخل فيها عن دراية واقتناع.

__________________________________

المصادر:

*موقع الفيصل

*موقع المعرفة

*موقع البيان

*شبكة الألوكة الثقافية

[opic_orginalurl]

Similar Posts