أجرى الحوار د. جمال عبد الناصر

الباحث أثناء مناقشة الماجستير

يهدف الباحث في رسالته إلى إحياء التراث الإسلامي في الصين

الأقليات المسلمة في شتى بقاع العالم تعاني مشكلات؛ أهمها قلة العلم، وفهم الدين بطريقة سطحية، وظهور الخلافات والنزاعات التي منشؤها عدم فهم نصوص الدين جيدًا.

كذلك تعاني هذه الأقليات اضطهادا يحرمها من نشر فكرها بطريقة سليمة، ومن هنا كان لنا هذا الحوار مع الباحث «عبد الرحمن تشانغ شنغ هوا» أحد المبتعثين الصينيين، والذى تخرج في الأزهر ويكمل دراسته العليا بكلية دار العلوم جامعة القاهرة؛ حيث حصل على الماجستير في الفلسفة الإسلامية بتقدير ممتاز، بإشراف الأساتذة د.محمد عبد الله الشرقاوي أستاذ الفلسفة ومقارنة الأديان بالكلية، ومناقشة د.عامر النجار أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة قناة السويس ود.عبد الراضى عبد المحسن أستاذ الفلسفة الإسلامية ومقارنة الأديان بدار علوم القاهرة، ووكيل الكلية لشئون البيئة.

وعنوان الرسالة هو: «جهود نور الحق ما ليان يوان الصيني (1841-1903م) في الفكر الإسلامي مع تحقيق كتابه: شرح اللطائف»، والرسالة مكونة من قسمين، أولهما: قسم الدراسة، والقسم الثاني هو التحقيق، والبحث جاء بغيةَ المساهمة في إحياء التراث الإسلامي في الصين، وإلقاء الضوء على نهضة الفكر الديني الإسلامي، وإلى نص الحوار..

 

* ما هو عدد الأقلية المسلمة بالصين؟ كم نسبتها بين سكان الصين؟

يوجد في الصين 10 قوميات أقلية كلها تعتنق دين الإسلام، ولكن في عددهم كلام طويل واختلاف متباعد منذ أوائل القرن العشرين ويختلف عددهم من حوالى تسعة ملايين إلى تسعين مليونا، وكان المشهور أن عدد المسلمين في الصين خمسون مليونا، وقد نشر هذا الرقم عام 1391م في جريدة الأهرام نفسها في مصر، وبناء على الدورة الخامسة للإحصاء السكاني التي أجرتها السلطة الصينية عام 2000م؛ فعدد المسلمين بلغ عشرين مليونا، ويحتل 64٫1% من جميع سكان الصين، فعدد المسلمين اليوم قد يبلغ حوالى خمسين مليونا من جميع عدد سكان الصين البالغ مائة وثلاثين مليونا.

 

** ما هي أهم المشكلات التي تواجه الأقلية المسلمة في الصين؟ وهل هناك صراع عقدي أم لا؟

هناك مشكلات كثيرة تواجه المسلمين بالصين، ومن أهمها انتشار الجهل بالدين الذى ترتب عليه فهم الدين وتطبيقه على المزاج والأهواء والتعصب مع اعتبار كل ذلك من الدين الخالص، ومنها: ابتعاد بعض المسلمين بمن فيهم بعض شباب المسلمين عن دينهم وعدم مبالاتهم به. فبمجرد أن يحصل طالب مسلم على الدرجة العلمية العالية أو المناصب الرفيعة، حتى تذوب عقيدته في التيارات بسبب عدم تمرُّسِهِ على التوجيهات والقيم الدينية الإسلامية من صغره. وليس هناك صراع عقدي بين المسلمين وغيرهم من أصحاب الأديان أو الأفكار الأخرى في الصين، ولكن –للأسف- هناك صراعات أشد بين المسلمين أنفسهم بسبب التعصب الممقوت والجهل والغرور المفسد والأهواء والمصالح، حتى صارت كأنها صراعات عقدية وأصولية.

 

** هل من كلمة عن التعليم الديني في الصين؟

التعليم الإسلامي في الصين ذو شقين رئيسيين: في المدارس العربية الإسلامية الحديثة، وفى أروقة المساجد، فالمدارس العربية الإسلامية الحديثة لها مميزاتها مثل سهولة الطريق في الإعطاء والتلقي، وإضافة مواد جديدة غير دينية في ظل متطلبات التعليم العصري، ولكنها في نفس الوقت عموما تركز على دراسة اللغة العربية دون توفية العلوم الشرعية حقها، فيتخرج طلابها في مدة قصيرة، فلا العلوم الشرعية تعلموها ولا العربية أتقنوها، وأما التعليم الإسلامي في أروقة المساجد؛ فقد كان طريقا رئيسيا لتوارث الإسلام وعلومه عند المسلمين في الصين منذ قرون، ولا يزال حتى اليوم أكبر مورد يخرج شيوخ الدين.

 

** ما هي أهم التيارات الإسلامية في الصين؟

أهم التيارات الإسلامية في الصين عموما تياران: تقليدي وتجديدي؛ التيار التقليدي ينقسم إلى التقليدي القديم والتقليدي المتمثل في الطرق الصوفية ذات الخصائص الصينية، والتيار التقليدي القديم يعتبر محافظا على عقيدة الإسلام وتقاليده التي وصلت إليه منذ دخول الإسلام في الصين، ولذلك سمى نفسه بالقديم تمييزًا بينه وبين التيارات أو المذاهب الأخرى التي بدأت تظهر في الصين من القرن السابع عشر إلى العصر الحديث، وهذا التيار يتمسك بالماتريدية في الأصول وبالمذهب الحنفي في الفروع، ويتأثر بالتصوف الإسلامي، ولكنه يعتبره نافلة لا ينبغي سلوك طريقه إلا لمن قد تمكن من الشريعة، وله تأثير كبير في تاريخ الإسلام في الصين، وأصحاب هذا التيار هم الأغلبية العظمى من المسلمين في الصين، وهم بمنزلة جمهور أهل السنة والجماعة في عالم الإسلام، والتيار التقليدي المتمثل في الطرق الصوفية هو معروف بـ”مون هوان” في اللغة الصينية، وهو ينتمي إلى الطرق الصوفية في العالم الإسلامي إلا أنه قد حدثت فيه أشياء جديدة بعد ظهوره في الصين. ويقف التيار التقليدي القديم منه موقف الإنكار والتبديع، ومع ذلك فمن يسير من أصحابه على الطريقة الصوفية سيرًا حقيقيا ملتزمًا بالشريعة يكسب احترامًا من أصحاب التقليدي القديم.

والتيار التجديدي يتمثل في جماعتين إحداهما: سميت بالإخوان التي ظهرت في الصين في أواخر القرن التاسع عشر، وثانيتهما: السلفية التي ظهرت في النصف الأول في القرن العشرين في الصين.

 

** ماذا عن التصوف في الصين؟ هل ينتمى للتصوف السني أم البدعي؟

أصل التصوف الإسلامي في الصين ينتسب إلى الطرق الصوفية الأربع في عالم الإسلام: القادرية والكبروية، والجهرية، والخفية، ثم تفرعت عنها طرق كثيرة بلغت حوالى أربعين طريقة. ولا شك أن التصوف الإسلامي في الصين يحتاج إلى إصلاح وتجديد شاملين مع مراعاة الظروف الدينية والواقعية الخاصة عند المسلمين في الصين.

 

** ما مدى تأثير التيارات الفكرية في الصين على الفكر الإسلامي هناك؟

التيار الكونفوشيوسى بسبب سيادته في المجتمع الصيني التاريخي زمنًا سحيقًا وبسبب تقاربه مع الإسلام في أمور كثيرة.. أثر على الفكر الإسلامي في الصين خلال عدة قرون، حتى كان علماء المسلمين في الصين يؤلفون كتبهم الإسلامية ويعبرون عن الفكر الإسلامي بالاصطلاحات الكونفوشيوسية.

 

** ما هي مشكلات المبتعثين الصينيين بمصر؟

أكبر مشكلات المبتعثين الصينيين بمصر بل في كل العالم العربي والإسلامي -فيما أظن- هي تدنى مستواهم الأساسي من العلوم الشرعية واللغة العربية، وقد يترك الطالب دراسته أو يتقاعس عنها بسبب عدم التغلب على هذه الصعوبة.

 

** ما الدور المأمول من الأزهر ودار العلوم كمنارتين للعلوم الإسلامية تجاه المسلمين بالصين؟

ما زلنا نحرص على أن يكون الأزهر الشريف ودار العلوم يحافظان على مكانتهما ودورهما وفضلهما على المسلمين في الصين، إذ يتميزان بتعليم العلوم الإسلامية والعربية المتكاملة والمنهج الرصين الوسطى والمعتدل. وبالجهود العلمية والفكرية التي قدمها العلماء المسلمون الصينيون في الصين، الذين تلقوا العلم من الأزهر ودار العلوم في النصف الأول للقرن الماضي، ترسخت المرجعية الإسلامية في أذهان المسلمين.

 

** كيف مررت برحلتك في البحث العلمي بمصر؟

تخرجت في كلية أصول الدين جامعة الأزهر، ثم حصلت على تمهيدي الماجستير في الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم، حتى حصلت منها على درجة الماجستير في الفلسفة الإسلامية عام 2014 م، بتقدير ممتاز.

 

** ما هو الهدف الذى دفعك لدراسة موضوعك في الماجستير عن المفكر الصيني المسلم نور الحق ما ليا يوان؟

الهدف الرئيسي هو فتح باب لتحقيق ودراسة التراث الإسلامي في الصين على المنهج العلمي، إذ كان منهج التحقيق الذى سلكنا في هذه الرسالة لم يعرف وجوده في دراسة التراث الإسلامي في الصين -على قدر علمي- كما فصلت في مقدمة الرسالة، وبالتالي فإن دراسة تراث الإسلام في الصين أصبحت دَيْنًا على عاتق الدارسين المسلمين الصينيين، الذين يبتغون النهضة الإسلامية الرشيدة في الصين بجانب وطنيتهم الصينية، إذ هم قد عانوا بعض ما نعانيه اليوم في نشر الدين الإسلامي وفكره في الصين، فمثل هذه الدراسة مقدمة لازمة لهذه النهضة والتجديد والإصلاح البناء في ديانتنا الإسلامية في الصين.

——

* المصدر: جريدة الأهرام المصرية.

[ica_orginalurl]

Similar Posts