في مثل هذه الأيام من كل عام، وتحديدا في النصف من شهر شعبان تحل ذكرى تحويل القبلة من بيت المقدس المبارك إلى بيت الله الحرام.. وفي الوقت الذي يعتبر فيه المسلمين تلك الحادثة دليلا على ترابط الديانات السماوية ووحدانية مصدرها.. يثير البعض عددا من الشبهات حول تلك الحادثة.. لذلك حرصنا على جمع عدد من الردود تكاد تكون استوعبت أطرها وأحاطت بجوانبها في الرد…

إعداد/ فريق التحرير

تحويل القبلة.. دروس وعِبر

القبلة

كان العرب بالمدينة يُجِلُّون اليهود لما عندهم من علم الكتاب فكان من الحكمة أن يظل بيت المقدس قبلة للمسلمين وهو في ذات الوقت قبلة اليهود فترة حتى تستقر الأمور.

يقول الشيخ/ محمد بن صالح المنجد: في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم حوادث فارقة في توجيه مسيرة الأمة المسلمة. وحادثة تحويل القبلة من الحوادث الفارقة في تميُّز الصفِّ المسلم. ويظلُّ حدثًا فارقًا في تاريخ الدَّعوة الإسلاميَّة، ومسيرةِ بناء الدولة المسلِمة كذلك.

فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة كان يستقبل بيت المقدس، وبقي على ذلك ستة – أو سبعة – عشر شهراً، كما ثبت في الصحيحين من حديث البراء بن عازب – رضي الله عنهما – قال: صلّى النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً وكان يعجبه أن تكون قبلته إلى البيت … الحديث .

ثم بعد ذلك أمره الله تعالى باستقبال الكعبة (البيت الحرام) وذلك في قوله تعالى: “… فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ…” (البقرة: 144).

ولقد كانت حادثة تحويل القبلة التي تمت في العام الثاني من الهجرة، فيها من الدروس والعبر الكثير، والتي ينبغي الوقوف معها للاستفادة، ومنها:

1- إثبات نبوة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقد أخبر الله تبارك وتعالى بما سيقوله اليهود عند تحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، قبل وقوع الأمر بالتحويل، ولهذا دلالته فهو يدل على نبوة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذ هو أمر غيبي، فأخبر عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بآيات قرآنية قبل وقوعه ثم وقع، وفي ذلك يقول الله تعالى: “سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ” (البقرة:142) .

2- أن هذه الأمة هي خير الأمم، كما قال تعالى: “كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ” (آل عمران: 110).

والوسطية تعني الأفضلية والخيرية والرفعة؛ فالأمة وسط في كل شيء، في العقيدة والشريعة والأخلاق والمعاملات، وهذا واضح جدًّا لكل مَن درس تعاليم الدين الإسلامي بالتفصيل.

3-التسليم المطلق والانقياد الكامل لله تعالى، ولرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فالمسلم عبد لله تعالى، يسلم بأحكامه وينقاد لأوامره بكل حب ورضا، ويستجيب لذلك، ويسارع للامتثال بكل ما أوتي من قوة وجهد، فأصل الإسلام التسليم، وخلاصة الإيمان الانقياد، وأساس المحبة الطاعة، لذا كان عنوان صدق المسلم وقوة إيمانه هو فعل ما أمر الله والاستجابة لحكمه، والامتثال لأمره في جميع الأحوال، لا يوقفه عن الامتثال والطاعة معرفة الحكمة واقتناعه بها، لأنه يعلم علم اليقين، أنه ما أمره الله تعالى بأمر ولا نهاه عن شيء، إلا كان في مصلحته سواء علم ذلك أو لم يعلمه.. كما قال تعالى: “وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا” (الأحزاب:36).

هذه الطاعة، وذلك التسليم، الذي أقسم الله تعالى بنفسه على نفي الإيمان عمن لا يملكه في قوله تعالى: “فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيما” (النساء:65).

والصحابة الكرام ـ رضي الله عنهم ـ في أمر تحويل القبلة، أمرهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالتوجه في صلاتهم ناحية المسجد الأقصى فتوجهوا وانقادوا، ولبثوا على ذلك مدة سنة وبضعة شهور، فلما أُمِروا بالتوجه ناحية المسجد الحرام سارعوا وامتثلوا، بل إن بعضهم لما علم بتحويل القبلة وهم في صلاتهم، تحولوا وتوجهوا إلى القبلة الجديدة.

فعن ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال: بينما الناس يصلون الصبح في مسجد قباء، إذ جاء رجل فقال: قد أنزل على النبي – صلى الله عليه وسلم – قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، فتوجهوا إلى الكعبة. (الترمذي) صحيح.

فكان تحويل القبلة اختبارا وتربية للصحابة على السمع والطاعة، والتسليم لله ورسوله، كما قال تعالى: “وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ” (البقرة:143) .

وله أن يكلف عباده بما شاء، وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك، وما على المؤمن إلا الاستجابة والانقياد لأوامر الله وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم.

3- امتحان المؤمن الصادق واختباره؛ فالمؤمن الصادق يقبل حكم الله جل وعلا، بخلاف غيره، وقد نبّه الله على ذلك بقوله: “… وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ” (البقرة:143).

لقد بين سبحانه أن هذا التحويل كان بلاء، واختبارا ليتميز عند الناس المؤمنون المخلصون من الشاكين المرتابين

فتحويل القبلة جلى وأظهر الإيمان في نفوس المؤمنين، والنفاق والشرك في نفوس أهله. فالمؤمنون قالوا: سمعنا وأطعنا؛ كل من عند ربنا، أما اليهود فقالوا: خالف قبلة الأنبياء، ولو كان نبيا لاستمر على قبلته، وأما المنافقون فقالوا: ما يدري محمد أين يتجه في صلاته، إن كانت الأولى حقا فقد تركها، وإن كانت الثانية حقا فقد كان على الباطل “… كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا” (الكهف:5).

4- كان العرب يعظمون البيت الحرام في جاهليتهم، ولما كان الإسلام يريد استخلاص القلوب لله وتجريدها من التعلق بغيره، وتخليصها من كل نعرةٍ، وكل عصبيةٍ لغير منهج الله تعالى، فقد انتزعهم من الاتجاه إلى البيت الحرام، وشاء لهم الاتجاه إلى المسجد الأقصى لفترةٍ ليست بالقصيرة، وما ذاك إلا ليخلِّص نفوسهم من رواسب الجاهلية.

ثم لمَّا خلصت النفوس وجَّهها الله تعالى إلى قبلةٍ خاصةٍ تخالف قبلة أهل الديانات السماوية الأخرى.

وقد وصف الله تعالى هذه القدرة على تخليص النفوس بأنها (كبيرة): “وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ” (البقرة: 143).

5- أهمية الوحدة في الإسلام.. فالمسلمون في الشرق والغرب يتجهون في الصلوات الخمس اليومية، وفي فريضة الحج إلى بيت الله الحرام، رغم اختلاف الألسنة والجنسيات والألوان، يجمعهم الدين الإسلامي الحنيف، وهذا ليعلم المسلم أنه لبنة في بناء كبير واحد مرصوص، وفي الحديث: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا) متفق عليه.

فالمسلمون يتعلمون من وحدة القبلة، وحدة الأمة في الهدف والغاية، وأن الوحدة والاتحاد ضرورة في كل شئون حياتهم الدينية والدنيوية.

6- أنّ الله سبحانه وتعالى لا ينسخ حكماً إلا إلى ما هو أفضل منه أو مثله ، كما قال تبارك وتعالى: “مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” (البقرة:106).

7- كما أن ارتباط مناسك الحج بالبيت الحرام وبالكعبة المشرفة فناسبه أن يكون التوجه بالصلاة إلى البيت الذي تكون فيه وحوله المناسك.

8- أظهر تحويل القبلة حرص المؤمن على أخيه وحب الخير له، فحينما نزلت الآيات التي تأمر المؤمنين بتحويل القبلة إلى الكعبة، تساءل المؤمنون عن مصير عبادة إخوانهم الذين ماتوا وقد صلوا نحو بيت المقدس، فأخبر الله ـ عز وجل ـ أن صلاتهم مقبولة .

فعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: (لما وجِّه النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله، كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى: “وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ” (البقرة:143) (يعني صلاتكم).

9- مخالفة أهل الكتاب، فقد كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم ـ يريد أن يتوجه في صلاته إلى الكعبة، وكان حريصا على أن يكون متميزاً عن أهل الديانات السابقة، الذين حرفوا وبدلوا وغيروا، ولهذا كان ينهى عن تقليدهم والتشبه بهم، بل يأمر بمخالفتهم، ويحذر من الوقوع فيما وقعوا فيه من الزلل والانحراف، ومن ثم كان من مقتضى هذا الحرص أن يخالفهم في قبلتهم، ويتوجه في صلاته بشكل دائم إلى قبلة أبي الأنبياء إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ، وهو أول بيت وضع للناس، وهذا كان ما يتمناه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

جاء تحويل القبلة يؤسِّس لمبدأ (التمايز)؛ أي: تمايز الأمَّة المسلِمة عن غيرها في كلِّ شيء: في الرِّسالة، والتشريع والمنهج، والأخلاق والسلوك، وقبلَ كلِّ ذلك التمايز في الاعتقاد.

10- مكانة النبي صلى الله عليه و سلم ومنزلته عند ربه سبحانه وتعالى:

قال تعالى: “قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ” (البقرة: 144).

فقد كان صلى الله عليه وسلم يقلب وجهه في السماء، يحب أن يصرفه الله عز وجل إلى الكعبة، حتى صرفه الله إليها.

ألم يكن الله يعلم أين القبلة؟!

وفي معرض الحديث عن فلسفة تحديد قبلة أولى ثم تغييرها يقول أحد المتشككين:

ألم يكن الله يعلم أين هي القبلة التي يريد من المسلمين أن يصلوا تجاهها؟! فلماذا لم يأمر منذ البداية بالتوجه إلى البيت الحرام بدلا من التوجه إلى بيت المقدس ثم ادعاء نسخ هذا الحكم خاصة أن القول بالنسخ مما لا يليق بالإله الذي يعلم حقائق الأمور؟

أُجيب على هذه الشبهة بأن المشركين وهم أهل السطوة في الفترة المكية كانوا قد نصبوا أصنامهم حول الكعبة وإليها كانوا يتجهون، وتلك الأصنام لم تزل من الكعبة إلا يوم فتح مكة أي في العام الثامن من الهجرة فلو جاء النبي – صلى الله عليه وسلم – وصلى إلى الكعبة المحاطة بالأصنام فإن المشركين سوف يقولون: إن محمدا يصلي للأصنام وعليه يكون ربه الذي أرسله هو هبل أو مناة أو اللات … ولن يصدقه أحد حينئذ إذ لا فرق بينه وبينهم فهم يصلون للأصنام وهو أيضا يصلي للأصنام مثلهم.

وقد يقال فلماذا لم تحول القبلة بعد الهجرة مباشرة ولماذا تأخرت حتى منتصف العام الثاني تقريبا؟ والجواب أننا إذا نظرنا إلى المجتمع المدني وقت الهجرة سوف نجده مؤلفا من فريقين:

1- العرب (قبيلتا الأوس والخزرج)

2- اليهود

وكان العرب بالمدينة يُجِلُّون اليهود لما عندهم من علم الكتاب فكان من الحكمة أن يظل بيت المقدس قبلة للمسلمين وهو في ذات الوقت قبلة اليهود فترة حتى تستقر الأمور، وبالفعل فلما استقر الأمر للنبي – صلى الله عليه وسلم – في كسب ثقة أهل المدينة وصار الإسلام هو المهيمن على قلوب الناس فيها جاء التحويل فلم يكن ثمت داع لأن يُعمل حساب لليهود الذين لم يتمالكوا أنفسهم بعد التحويل وظلوا يلقون الشبهات حول قضية التحويل وفيهم وفي غيرهم نزل قوله – تعالى –”سَيَقُولُ السٌّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُم عَن قِبلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيهَا قُل لِّلّهِ المَشرِقُ وَالمَغرِبُ يَهدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ, مٌّستَقِيمٍ” (البقرة:142).

وعلى ذلك يكون مجمل إبطال الشبهة:

1-المشرق والمغرب ملك لله، وله-سبحانه وتعالى- التصرف فيهما كيفما شاء.

2-في تحويل القبلة اختبار وامتحان ليظهر المؤمن من المنافق.

3-مقولة اليهود ناشئة عن الحسد وكتمان الحق.

4-لكل أهل ملة قبلتهم التي يتجهون إليها.

5-الإخبار بقول السفهاء قبل أن يقولوه دليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

6-جوهر الدين في طاعة الله وامتثال أوامره.

______________________________________

المصادر:

1-ملتقى أهل الحديث

2-بيان الإسلام

3-مداد

[ica_orginalurl]

Similar Posts