وبينما الجميع يسيرون على درب الأنبياء إذ تسللت أمم وتنكبت الطريق، وسارت على درب الضلال والزيغ وأنكرت الرب وعبدت الكثير من الآلهة البشرية

(مقتطف من المقال)

د. هيثم طلعت

ميثرا

نموذج للإله (ميثرا) أحد الآلهة الوثنية القديمة.

منذ ظهر الإنسان على وجه الأرض وهو يستشعر أن لوجوده قيمة، يخرج الحيوان من بطن أمه باحثا عن الطعام، ويخرج الإنسان من رحم أمه باحثا عن الله، يستشعر الإنسان في وعيه الفطري بقيمة عليا لوجوده، فهو مهما كانت يؤمن بوجود الخير والشر، وأن هناك اختيارا حرا.

وأرقى مهمة كُلف بها الأنبياء في تاريخهم الطويل هي التأصيل لعقيدة التوحيد، تلك القيمة الراقية التي تقول بعقيدة (الربُّ إلهُنا رب واحد)، فمجرد صلاح تلك القيمة تصلح دنيا الإنسان وآخرته، وينضبط عالمه الخارجي مع عالمه الداخلي، ويستشعر بأن دعوة الأنبياء قد أتت على وعيه الفطري فأيقظته فيصير الإنسان زكي الروح رائق الوجدان، يجيب داعيَ الله، ويرتقي إلى القيمة التي استشعر منذ يومه الأول بأنه خُلق لأجلها فتُكتب له سعادة الدارين.

دين الأنبياء وأديان الوثنيين

والناظر في تاريخ الأرض يجد دينين اثنين فقط قدمتهما البشرية: دين الأنبياء ودين الوثنيين، دين الأنبياء قام بتعريف الناس بربهم، والأنبياء جميعا دينهم واحد ورسالتهم واحدة وخلاصهم واحد، كل أنبياء العهد القديم كانوا ينادون بعقيدة (الرب إلهنا رب واحد)، قالها موسى وكررها المسيح بنفس الصياغة فقال –موسى-: “اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد”، وقال المسيح –عليه السلام-: “فأجابه يسوع إن أول كل الوصايا هي: اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا رب واحد”، أو بلفظ القرآن الكريم “… اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ…” (المائدة:117) والزم بهذه الدعوة كل السائرين على الدرب.. درب الأنبياء!

فنوح أول الرسل بعد آدم قالها مُدوية “لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ” (الأعراف:59)، وأكدها هود “وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ” (الأعراف:65). وصالح “وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ۖ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ” (الأعراف:73)  و شعيب “وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ” (الأعراف:85). وإبراهيم “وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ۖ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ” (العنكبوت:16) إنها دعوة واحدة رسالة واحدة طريق واحد “لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ” (فصلت:42).

الخلاص الحقيقي

هذا هو الخلاص الحقيقي وبغيره لن نخلُص، فعقيدتنا هي عقيدة الأنبياء جميعا “قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ” (البقرة:136).

وبينما الجميع يسيرون على درب الأنبياء إذ تسللت أمم وتنكبت الطريق، وسارت على درب الضلال والزيغ وأنكرت الرب وعبدت الكثير من الآلهة البشرية؛ فأمة من الأمم صنعت ميثرا، وأمة صنعت بروميثيوس، وأمة صنعت أوزوريس، وأمة صنعت يسوع الناصري.. كلهم بشر مثلنا منهم العبد الصالح ومنهم الماكر الشرير، صُنعوا في مجامع خاصة وبعناية ودهاء، وعُبدوا من ضمن سلسلة الآلهة البشرية الطويلة، وجُعل بأيديهم الخلاص، والغريب أن هذه الآلهة البشرية تقدم حلولا سريعة لمعاصي الإنسان، ويُصبح الإله فداء للإنسان في نوعية أخرى من الخلاص لم يعرفها الأنبياء ولا الأبرار.

فها هو ميثرا.. ذلك الإله البشري القديم الذي صُلب في بلاد الفرس 600 قبل الميلاد يساق إلى الذبح كخروف وتُزين أيقونته المعابد الوثنية القديمة.

وبروميثيوس الذي وهب النور إلى الإنسان وصُلب على شجرة ابن الإله زيوس كبير آلهة جبال الأولمب، يُقتل ويُصلب في مسرحية متكررة في حضارات الأرض جميعا.

وهكذا دوما.. دربُ الأنبياء.. ودربٌ للوثنيين، يقول (ويل ديورانت) في كتاب قصة الحضارة: (لقد قتلت البشرية ستة عشر إلها تكفيرا عن خطاياها مرورا بميثرا وكرشنا وانتهاء بيسوع الناصري).

لذا لن يكون الخلاص إلا بدعوة الأنبياء.. دعوة العقيدة الظاهرة.. عقيدة التوحيد، إن الإنسانية بحاجة إلى دين يشبع جوعها الروحي وتألقها الذهني.. فها هي مبادئ التوحيد تنساب إلى القلوب من تلقاء نفسها لأنها الفطرة.

إن العلماء والمفكرين الآن الذين ينظرون في صفحة السماء لن تأتي في أذهانهم إلا صورة الإله الواحد ولن يتصوروا أية صياغة من تلك الصياغات الوثنية؛ فالتوحيد فطرة البشر جميعا وأصل دعوة جميع الأنبياء.

______________________________

المصدر: موسوعة الرد على الملحدين العرب

[ica_orginalurl]

Similar Posts