إن غالبية من ألحد كان إلحاده ردة فعل نفسية من التشدد الديني والاجتماعي الذي تربى عليه، وهذا يدفعنا للتساؤل عن العلاقة بين التشدد والإلحاد؟؟؟

د. أحمد قاسم الغامدي

التشدد والإلحاد

إن أحد المخاطر التي لا ينبغي التهاون بخطرها.. الإلحاد، خصوصا مع ما تعج به المجتمعات المسلمة من غلو في الدين أو تفريط فيه.

الإسلام حصن حصين لأبنائه متى تعلموه حقا دون غلو فيه أو تهاون، أما من تربى في مجتمعات الإسلام وهو في خلو عن فهم مقاصد الدين وأحكامه وعدله وإحسانه فقد يكون عرضة لكثير من الهجمات الفكرية التي تغتال حقيقة دينه أو تذهب بوسطيته.

إن أحد المخاطر التي لا ينبغي التهاون بخطرها.. الإلحاد، خصوصا مع ما تعج به المجتمعات المسلمة من غلو في الدين أو تفريط فيه؛ فغالبية من ألحد كان إلحاده ردة فعل نفسية من التشدد الديني والاجتماعي الذي تربى عليه

إن دخول أطروحات الإلحاد ضمن حزم العولمة التي اخترقت كل الحدود، مع اكتساح بريق التقدم الغربي المادي للمجتمعات الأخرى، ولَّد تأثرا بكثير من الجوانب السلبية للعولمة التي من أشدها خطرا الانحلال الفكري في جانب المعتقد والانحلال الأخلاقي في الجانب السلوكي وهما غالبا وجهان لعملة واحدة، إذ الإلحاد قرين الإباحية.

إن عدم وجود الموانع المناسبة لضغوط سلبيات العولمة وإغراءات الحياة المادية بزخمها الإعلامي يجعل المتلقي عرضة لشبه الإلحاد، فضلا عن تعرض المجتمع لحملات التشكيك والطعن في الدين وشغله فكريا عن بناء مستقبله بإغراقه في مشكلاته.

خيط رفيع.. بين التشدد والإلحاد

أسئلة

من الضروري أن يهتم العلماء والمفكرون والمربون بحوار الشباب المتسائل، وأن يرحبوا بكل أسئلتهم، وأن يكون الحوار فيها حوارا حقيقيا، بأن يُحسن فيه الاستماع والرد.

إن غالبية من ألحد كان إلحاده ردة فعل نفسية من التشدد الديني والاجتماعي الذي تربى عليه، وهذا يدفعنا للتساؤل عن العلاقة بين التشدد والإلحاد.

إن العلاقة تكمن في أن الإشكالات التي يسببها التشدد الديني أنه يربي الأشخاص على الحدية والإقصاء في تبني الآراء، فتتشكل عقلية الشخص بهذه الطريقة، وحين تتغير بعض أفكاره ويرتبك أمام بعض القضايا أو التساؤلات فإنه يتطرف إلى الاتجاه المقابل وقد يتخذ موقفا معاديًا للدين والتدين.

ليس في الإسلام تقديس أو كهنوت وهذا يعرفه كل مسلم؛ فالعلماء بشر يجتهدون.. يصيبون ويخطئون وكل يؤخذ من قوله ويرد، إلا رسول الله عليه الصلاة والسلام فيما أُوحي إليه به، وكثيرا ما يردد هذا ونسمعه دوما، ولكن الواقع فيه شيء من التقديس ومن بالغ بتقديس الأفراد قد تحصل له ردة فعل عندما يخطئ من قدسه برأي أو فتوى يكتشف أنها خاطئة تماما.

إن طبيعة الخطاب الديني حين تدفع بالمتلقي أن يفترض التربية على اليقين (في كل شيء) فإنه حين يدخل الشك عليه في مسألة ما تنفرط معها المسائل كلها؛ لأنها كانت بذات الدرجة من اليقينية عنده، كما أن عددا ممن ألحدوا كانت شرارة الإلحاد بالنسبة لهم أن إحدى المسائل التي تربى على أنها مسألة يقينية اكتشف أن فيها خلافاً شديدًا بين فقهاء الدين أنفسهم، فشعر أنه مخدوع أو أن ما تربى عليه وغرس في عقله كان خاطئًا، مع أنها قد تكون مسألة فقهية فرعية مختلف فيها كإعفاء اللحية أو الإسبال ونحوهما.

إن من أسباب الإلحاد كبت التساؤلات الدينية وقمعها وعدم الترحيب بالاختلاف في الرأي ومنع الحوار فيها، فذلك كله يولد نفورا من الدين والتدين.

فمن الضروري أن يهتم العلماء والمفكرون والمربون بحوار الشباب المتسائل، وأن يرحبوا بكل أسئلتهم، وأن يكون الحوار فيها حوارا حقيقيا، بأن يُحسن فيه الاستماع والرد وتُطرح فيه الشبهة والإجابة عنها بما يفترض أن يكون مقنعا بالأدلة، لا أن تطرح موعظة بطريقة السرد الذي لا مراجعة فيه ثم يسمى ذلك حواراً.

لابد أن يكون الخطاب الديني معتدلاً وموضوعياً وواقعياً ومُدللاً عليه بما هو ثابت وصحيح ولا يكون أسطورياً ممتلئاً بالقصص والحكايات والروايات الواهية التي تتعارض مع ما صح أو تتناقض مع السنن الكونية؛ فتدفع بالمتلقي للعيش في تناقض بين النظرية والواقع، أو تدفع به للكفر بكل ما روي صحيحا وضعيفا حتى الثابت منها في القرآن والسنة الصحيحة.

يظن بعض الوعاظ أن في نشر الروايات الواهية بين الناس خير؛ لأنها ستزيد إيمانهم، إلا أن النتيجة غالبا ما تكون بعكس ذلك، فمن المهم ألا يكون الخطاب الديني سبباً لتشكيل عقليات أسطورية أو مثالية متشددة.

إننا بحاجة لأن يكون خطابنا أكثر اعتدالا، غير متصادم مع التطور الدنيوي ولا يغرس الكراهية في قلوب الناس لمجرد أن الآخر يخالفنا في الرأي أو الدين، ومن المهم جدا التفريق في توعية مجتمعنا بين المسالم والمحارب في علاقتنا القلبية والسلوكية مع كل منهما، مهتدين في ذلك بسيرة النبي والقرآن الحكيم.

_________________________________

المصدر: بتصرف يسير عن موقع جريدة اليوم السعودية / http://www.alyaum.com/article/3128266

[ica_orginalurl]

Similar Posts