صورة من داخل مسجد وبعض الناس يؤدون الصلاة.

من أهم المهمات، وأوضح المشروعات عمله في المساجد إقامة تعلم القرآن وتعليمه، وقراءته وإقراؤه، بشكل فردي يقرؤه الفرد، ويحفظه.

المشروع في المسجد:

1 – الصلاة فيه:

من أهم وظائف المسجد أداء الصلاة فيه بالنسبة للرجال جماعة الذي جعلها بعض أهل العلم فرض عين على كل مسلم- أعني صلاة الجماعة- ومكان تأدية صلاة الجماعة هو المسجد، بل قد جعل بعضهم تأديتها في المسجد شرطًا لا تصح الصلاة إلا به.

وهذه المسألة لا تحتاج إلى استفاضة في الأدلة، ويكفي أن نشير إلى أن الساعي إلى المسجد لأداء الصلاة ينال أجرًا عظيمًا، فكيف بالصلاة فيه، روى الشيخان أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: “من غدا أو راح أعد الله له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح.” (رواه البخاري ومسلم)، وما رواه مسلم مرفوعًا: “ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد” (مسلم).

وجاء في سنن أبي داود أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: “بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة”.

وغني عن القول أن يؤكد على أن صلاة الجمعة لا تصح إلا في المسجد.

2 – الاعتكاف فيه:

 والمراد بالاعتكاف: المكث في المسجد لعبادة الله تعالى.

من نعم الله تعالى على بعض المؤمنين أن يوفقهم لعبادته وطاعته بمختلف أبواب الطاعة الكثيرة، ومنها: المكث في المسجد مدة معينة من الزمن تطول أو تقصر ليصلي ويدعو، ويقرأ القرآن، ويذكر الله تعالى ويتأمل حاله وحال المسلمين ويحاسب نفسه، ويخلو مع خالقه.

هذه العبادات يتفرغ لها العبد ليؤديها في المسجد- أي مسجد- وقد فعلها الرسول (صلى الله عليه وسلم) في رمضان “فاعتكف معه بعض نسائه” كما جاء ذلك في الصحيحين. وغيرهما.

ولا شك أن لهذه الخلوة الإيمانية أثر على الفرد المسلم في تعامله مع مولاه جل وعلا فيصحح مساره، ويعدل أخطاءه، ويصارح نفسه، ويبكي على خطيئته، ويصفي فؤاده، وينقي قلبه، وتغسل خطاياه، وتمحى ذنوبه، وترفع درجاته، ويظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، كما جاء ذلك في حديث أبي هريرة (رضي الله عنه): “سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله”. وذكر منهم: “رجل قلبه معلق في المساجد، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه”  (رواه البخاري ومسلم).

ولهذه الخلوة أثرها على المجتمع المسلم بأسره فإذا كان نخبة من هذا المجتمع تعاملوا مع ربهم هذا التعامل الفريد، فهذه علامة صحة لهذا المجتمع الذي يربي رجاله هذه التربية الإيمانية القوية.

3 – خطبة الجمعة:

 من فضل الله تعالى أن شرع للمسلمين، وأوجب عليهم صلاة الجمعة التي تقام مرة في الأسبوع في يوم الجمعة، ومن أحكام هذه الصلاة إقامة خطبتي الجمعة التي ندب الإسلام إلى حضورها وشهودها، بل وشدد في وجوب الإنصات لها، قال (صلى الله عليه وسلم) : “إذا قلت لصاحبك -يعني والإمام يخطب- أنصت فقد لغوت”  (رواه البخاري) .

وقال (صلى الله عليه وسلم) : “من مس الحصا فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له” (رواه مسلم).

هذا المنبر العظيم الذي ينطلق من يكلف فيه لإسماع المصلين المؤمنين الذين تطهرت أبدانهم وقلوبهم، وجاءوا خاشعين يستمعون الذكر، مع الملائكة الشهود، هذا المنبر يقام في المسجد مقترنًا بهذه العبادة العظيمة الجليلة، ولا يغني عنه أن يقام في أي بقعة كانت، بل ولا تصح كما ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى.

4 – تحية المسجد:

 غني عن القول أن يقال: إن الصلاة النافلة يصح إقامتها في المسجد لكن الأفضل أن تؤدى في البيت فإن من هديه (صلى الله عليه وسلم) تأديتها في منزله.

لكن مما خص به المسجد أن يكون له تحية عند دخوله، وذلك بأداء صلاة ركعتين، كما روى البخاري وغيره عن أبي قتادة السلمي (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: “إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس” (رواه البخاري ومسلم).

ولا شك أن تأدية هاتين الركعتين لهما أثر على نفسية الفرد الداخل إذ أنه يشعر أنه ولج مكانًا ذا خاصية مميزة فتتهيأ نفسه له فيتعامل معه التعامل المشروع.

5 – حِفْظ القرآن وتحفيظه:

 من أهم المهمات، وأوضح المشروعات عمله في المساجد إقامة تعلم القرآن وتعليمه، وقراءته وإقراؤه، بشكل فردي يقرؤه الفرد، ويحفظه، أو يحفظه ويقرئه غيره، أو بشكل تدارس جماعي، جاء في السنن: “وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده” (رواه مسلم).

ووجود هذا الفضل لهؤلاء الأفراد المجتمعين لقراءة القرآن وتدارسه بسبب وجودهم في هذا المسجد، ولا شك أن العلم المتفرع عن القرآن الكريم داخل في ذلك، وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يجلس في المسجد ويستمع لقراءة أصحابه (رضي الله عنهم)، وهكذا كان الصحابة من بعده يتدارسون القرآن والعلم في المسجد واستمر الأمر على هذه الحال على امتداد التاريخ الإسلامي، ويلحق بقراءة القرآن الكريم، اشتغال الفرد بذكر الله تعالى، حيث تكون القلوب خالية من مشاغلها، فتخبت إلى ربها، متعلقة بمولاها، قال سبحانه وتعالى: “فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ…” (النور/ الآية 36 – 37).

ويقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) في حديث بول الأعرابي- في إحدى رواياته-: “إنما هي لذكر الله تعالى والصلاة وقراءة القرآن” (رواه مسلم).

ولا يخفى على المسلم فوائد الذكر وبخاصة إذا كان في بيت من بيوت الله تعالى فهو يصفي القلب، ويطمئنه، ويسكن النفس، ويبعد الشياطين، ويجلو الهم والغم، ويمحو السيئات، ويُكَفِّر الذنوب، وهو أفضل الأعمال، وأقربها إلى الله تعالى، وأزكاها عنده، وهو خفيف على اللسان، ثقيل في الميزان، حبيب إلى الرحمن، مدخل للجنان، حاجب عن النيران.

ولكن يحذر الإنسان أن ينتقل من الصور الشرعية في الذكر إلى الصور البدعية التي دخلت على كثير من الأقطار الإسلامية، فأوقعهم الشيطان في حبائله البدعية ولا حول ولا قوة إلا بالله.

6 – تعلم العلم وتعليمه:

 ومن مهمات المسجد أنه ميدان للعلم والتعليم، منه تخرج الأفذاذ والعلماء، ومنه انطلق المعلمون، وإليه يأوي المتعلمون، فهو مقر التربية والتوجيه والتعليم.

المسجد يقوم بهذه المهمة منذ عهده (صلى الله عليه وسلم) ، فقد كان يتخذه (صلى الله عليه وسلم) مكانا للتعليم والتربية روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي واقد الليثي (رضي الله عنه) قال: “بينما رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جالس في المسجد، والناس معه إذ أقبل  ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وذهب واحد فوقفا على رسول (صلى الله عليه وسلم)، أما أحدهما فوجد فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبًا، فلما فرغ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: “ألا أحدثكم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله عز وجل فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه” (رواه البخاري ومسلم).

وما ورد في ذلك عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) أنه قال: “تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال رجل: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): هو مسجدي هذا” (رواه الترمذي).

وعنه أيضًا رضي الله عنه قال: “جلس رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على المنبر وجلسنا حوله فقال: “إن مما أخاف عليكم بعدي، ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها.” (رواه البخاري ومسلم)

____________________________

المصدر: المشروع والممنوع في المسجد لفالح الصغير.

[ica_orginalurl]

Similar Posts