القتل في الإسلام

يحرم الإسلام القتل وحرم القتال في البداية ولكن أباحه بعد الهجرة بضوابط صارمة

كانت أعراف القتل والسلب والغنيمة والجزية والأسر والسبي سابقة لرسالة الإسلام الخاتمة التي جاء بها النبي محمد، فجاء الإسلام فهذبها ورقاها تهذيبا وترقية لم يكونا معهودين في حياة النبي محمد ولا بعده بقرون وصولا إلى يومنا هذا وحتى قيام الساعة. لذا، تعالوا نتعرف على موقف الإسلام من القتل والسلب والغنيمة والجزية والأسر والسلب.

<

القتل والسلب والغنيمة والجزية والأسر والسبي في الإسلام

موقف الإسلام من القتل والقتال

تحريم القتل والقتال في فجر الإسلام

إن قتل النفس بغير حق محرم منذ فجر الإسلام وحتى يومنا هذا. أما القتال، فلم يكن مشروعا في فجر الإسلام حتى وإن كان بغرض الدفاع عن النفس. فلقد كانت دعوة الإسلام في فجرها سلمية محضة. وفي مواجهة صنوف الظلم والعنت والاضطهاد لم يؤمر النبي محمد والمسلمون طيلة السنوات الثلاثة عشر الأولى من البعثة النبوية إلا بالصبر على أذى المشركين ودفع السيئة بالحسنة أي دفع الشر بالخير. وبهذا الخصوص نزلت الآيات القرآنية التالية، فنحن نقرأ:

وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (يونس 109:10)

كما نقرأ أيضا:

ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (المؤمنون 96:23)

إباحة القتال بعد الهجرة بضوابط

لكن لما بلغ الاضطهاد ذروته وكاد يقضي على الإسلام وخاتم أنبيائه، أذن للمسلمين بالقتال دفاعا عن دعوة السماء وعن أنفسهم المؤمنة في مواجهة قوى الشر والباطل والبغي وذلك بعد الهجرة إلى المدينة أي بعد مرور ثلاثة عشر عاما على الدعوة وتبقي عشر سنوات فقط من البعثة النبوية وحياة النبي محمد.

ويعني ذلك أن دعوة النبي محمد بدأت وظلت سلمية محضة في معظم سنواتها ولم يسمح فيها بحمل السلاح دفاعا عنها إلا في أواخر حياة النبي محمد. فلو كان القتال أصيلا في الدعوة الإسلامية كأداة لنشرها، لورد الأمر بحمل السلاح منذ بدايتها. ولكن الإذن بحمل السلاح لم يرد إلا في أواخر حياة النبي. وإن دل ذلك على شيء، فإنما يدل على أن سلمية الدعوة هي الأصل وأما السلاح فجاء في النهاية لحمايتها.

وكان أول ما نزل من القرآن في الإذن بالقتال الآيات التالية على أرجح الأقوال:

إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ. أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (الحج 38:22-41)

ويلاحظ في الآيات السابقة ذكر العلة من الإذن بالقتال وهي الدفاع عن المؤمنين وصد العدوان ورفع الظلم والاضطهاد وحماية دور العبادة، سواء كانت معابد يهودية أو كنائس مسيحية أو مساجد إسلامية، والتمكين في الأرض للمؤمنين حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر.

ضوابط إباحة القتال

وكما ورد الإذن بالقتال في القرآن دفاعا عن الدعوة، وردت فيه أيضا الضوابط التي تضمن تقنين هذا القتال وقصره على أغراضه التي شرع لها من الدفاع والحماية ومنع تعديه إلى أغراض لم يشرع لها مثل الظلم والعدوان.

فالإذن بقتال المشركين مرهون بعدم الاعتداء أو العدوان عليهم، فعن ذلك نقرأ في القرآن الكريم:

وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ. فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ. الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (البقرة 2 :190-194)

والإذن بقتال المنافقين الذين يخونون المؤمنين ويوالون الكفار على المؤمنين مرهون بعدم توبتهم وكف أذاهم وعدم انتمائهم لقوم بينهم وبين المسلمين ميثاق. وعن ذلك نقرأ في القرآن الكريم:

فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا. وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا. إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا. سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (النساء 88:4-91)

كما نقرأ أيضا:

لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا. مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (الأحزاب 60:33-61)

والإذن بقتال ناقضي العهود والمواثيق والأيمان الطاعنين في الدين والمخرجين للمؤمنين من ديارهم كذلك مرهون بانتهائهم عن ذلك. وعن ذلك نقرأ في القرآن الكريم:

وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ. (التوبة 12:9)

أنواع القتال المباح

جهاد الدفع

للقتال أو الجهاد في الإسلام نوعان: جهاد الدفع وجهاد الطلب. فأما جهاد الدفع، فهو قتال المسلمين ضد عدو يعتدي عليهم في أرضهم أو على مقربة منها. وفي هذه الحالة، يؤذن للمسلمين بالقتال للدفاع عن أنفسهم وأرضهم ودينهم ضد العدوان حتى يكف المعتدي عن عدوانه، وعن ذلك نقرأ في القرآن الكريم:

وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (النساء 75:4)

جهاد الطلب وضوابطه

وأما جهاد الطلب، فهو قتال المسلمين ضد عدو فرض عليهم القتال خارج أرضهم وغالبا ما يكون هذا القتال لأغراض الدفاع عن المسلمين حال دعوتهم إلى الله تعالى خارج أرضهم. ولهذا القتال ضوابط وردت في الكتاب والسنة.

ومن هذه الضوابط ما ورد في الحديث التالي: عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال: “اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا” (رواه مسلم)

ولقد نهى النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن قتل الأبرياء وخصوصا الأطفال والتعرض لدور العبادة ولا لأصحابها وخص الصوامع بالذكر. فعن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال: كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذا بعث جيوشه قال: “اخرجوا بسم الله، تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع” (رواه أحمد)

ويتكرر نهي النبي عن قتل الأبرياء لاسيما النساء والأطفال في الحديث التالي: فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان (رواه البخاري)

موقف الإسلام من السلْب

على الرغم من أن الإسلام جرى على العرف الذي كان متبعا قبل الإسلام في الحروب من استحقاق المنتصر للغنيمة و”السلَب” بفتح اللام وليس تسكينها، إلا أن المسلمين لم يكونوا حريصين على سلب الشعوب الأخرى واغتنام أموالهم وممتلكاتهم على نحو ما جرت به العادة قبل الإسلام بدليل تخليهم عن الأسلاب والغنائم في بعض المواقف التاريخية لاسيما في حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. فلم يكن الهدف من حروب المسلمين السلب ولا النهب ولا الغنائم ولكن الدفاع عن أنفسهم والدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة.

فعلى سبيل المثال، رد النبي محمد صلى الله عليه وسلم على مالك بن عوف سيد هوازن أهله وماله بل وأعطاه مائة من الإبل واستعمله على قومه في أعقاب غزوة حنين.

قال ابن إسحاق: وقال رسول الله لوفد هوازن وسألهم عن مالك بن عوف ما فعل؟ فقالوا: هو بالطائف مع ثقيف. فقال: أخبروه أنه إن أتاني مسلما رددت إليه أهله وماله، وأعطيته مائة من الإبل. فلما بلغ ذلك مالكا انسل من ثقيف حتى أتى رسول الله وهو بالجعرانة – أو بمكة – فأسلم وحسن إسلامه، فرد عليه أهله وماله، ولما أعطاه مائة فقال مالك بن عوف رضي الله عنه:

ما إن رأيت ولا سمعت بمثله * في الناس كلهم بمثل محمد

أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى * ومتى تشأ يخبرك عما في غد

السلَب والغنيمة والجزية وليس السلْب والنهب

درءً للشبهة وللبس وسوء الفهم، لم يبح الإسلام ما جرت عليه عادة الجيوش من سلب ونهب أموال وممتلكات المدنيين الأبرياء. وإنما أباح الإسلام “السلَب” وهو استلاب متاع المقاتلين الذين يحاربون المسلمين. كما أباح الإسلام “الغنيمة” وهي المنقولات التي يتحصل عليها المسلمون في ساحات المعارك من جيوش غير المسلمين.

أما المدنيون، فلم يبح الإسلام أعمال السلب ولا النهب ضدهم ولا انتهاك حرماتهم. ففي فتح مكة، كانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة، فلما مرَّ بأبي سفيان قال له: «اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشاً»، فلما حاذى الرسولُ محمد أبا سفيان قال: «يا رسول الله ألم تسمع ما قال سعد؟»، قال: «وما قال؟»، فقال: كذا كذا، فقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف: «يا رسول الله، ما نأمن أن يكون له في قريش صولة»، فقال الرسولُ محمد: «بل اليوم يوم تعظم فيه الكعبة، اليوم يوم أعز الله فيه قريشاً»، ثم أرسل إلى سعد فنزع منه اللواء، ودفعه إلى ابنه قيس بن سعد بن عبادة، وقيل: بل دفعه إلى الزبير. (الرحيق المختوم، صفي الرحمن المباركفوري، دار الهلال، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى)

وعن ابن إسحاق بإسناد حسن عن صفية بنت شيبة قالت: لما نزل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – واطمأن الناس خرج حتى جاء البيت فطاف به، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتح له فدخلها، ثم وقف على باب الكعبة فخطب. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم أنه – صلى الله عليه وسلم – قام على باب الكعبة، فذكر الحديث، وفيه: ثم قال يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم. قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء. ثم جلس فقام علي فقال: اجمع لنا الحجابة والسقاية، فذكره. وروى ابن عائذ من مرسل عبد الرحمن بن سابط أن النبي – صلى الله عليه وسلم – دفع مفتاح الكعبة إلى عثمان فقال: خذها خالدة مخلدة، إني لم أدفعها إليكم ولكن الله دفعها إليكم، ولا ينزعها منكم إلا ظالم (رواه ابن أبي شيبة في مصنفه)

وفي فتح العراق، لم يعرض خالد بن الوليد لمن لم يقاتلوه من الفلاحين بل أحسن معاملتهم كما أوصاه أبو بكر، وأبقاهم في الأرض التي يفلحونها (سيرة أبي بكر الصديق، علي الصلابي، ص312)

وهكذا لم يسلب المسلمون أموال المدنيين، وإنما كانوا يغتنمون متاع المقاتلين أو القبائل التي كانت تحاربهم عن بكرة أبيها كما حدث مع قبائل العرب واليهود. أما الأقوام التي كان فيها مقاتلون ومدنيون غير مقاتلين، فلم يكن المسلمون يتعرضون للمدنيين غير المقاتلين أو ممتلكاتهم، ولكن كانت تفرض عليهم جزية في حدود استطاعتهم ومقدرتهم.

“فعن ابن أبي نجيح قلت لمجاهد ما شأن أهل الشأم عليهم أربعة دنانير وأهل اليمن عليهم دينار قال جعل ذلك من قبل اليسار” أي تيسر الحالة المادية (رواه البخاري)

وروى أبو داود في سننه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة”.

ولقد أعفى الإسلام من أداء الجزية النساء والصبيان والمساكين والرهبان وذوي العاهات، بل زاد الإسلام فتكفل بالإنفاق على من شاخ وعجز من أهل الذمة. وهذا هو خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز يكتب إلى عدي بن أرطاة عامله على البصرة:

«…وانظر من قبلك من أهل الذمة، من قد كبرت سنه وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب، فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه…وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر – يقصد عمر بن الخطاب مر بشيخ من أهل الذمة، يسأل على أبواب الناس، فقال: “ما أنصفناك، إن كنا أخذنا منك الجزية في شبابك، ثم ضيعناك في كبرك”. ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه»

لقد كان النبي محمد شديد الحرص على أداء الأمانة، فقبل أن يهاجر طلب من علي رضي الله عنه أن يرد الأمانات لأصحابها، فقال لعلي رضي الله عنه: «نَمْ على فراشي، واتَّشح ببردي الأخضر، فنم فيه، فإنَّه لا يخلص إليك شيء تكرهه، وأمره أن يؤدِّي ما عنده مِن وديعة وأمانة» (رواه الطبراني في تاريخه:372/2)

 فلو كان النبي حريصا على السلب والنهب، فلماذا رد الأمانات إلى قريش التي أقدمت على قتله وأجبرته على الخروج من وطنه؟ إنما آثر النبي أن يجري على العرف المتبع وأن يسترد حقه بسيفه في ساحة القتال بدلا من خيانة الأمانة اعتبارا من غزوة بدر وحتى نهاية حياته صلى الله عليه وسلم.

موقف الإسلام من الأسر والسبي

على الرغم من أن الإسلام جرى على العرف الذي كان متبعا قبل الإسلام في الحروب من أسر رجال العدو وسبي النساء والأطفال، إلا أن الإسلام هذب هذا العرف ورقاه على نحو لم يكن معهودا لأزمنة طويلة.

الأسر في الإسلام

بالنسبة لأسر الرجال، فعلى الرغم من إباحته في الإسلام، إلا أنه لا يسمح باستطالته ولا بإفضائه إلى الاسترقاق. فالأسير غير المسلم لا يظل أسيرا مدى الحياة كما أنه لا يستعبد، بل هو بين ثلاثة مصائر: إما المن أو الفداء أو القتل. فللمسلمين أن يمنوا عليه بإطلاق سراحه دون مقابل أو يفدونه بمقابل مادي أو بأسير مسلم أو يقتلوه إذا بدر منه ما يوجب قتله، على أن حالات قتل الأسرى قليلة جدا في التاريخ الإسلامي. فعن ذلك نقرأ في القرآن الكريم:

فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا (محمد 4:47)

كما نقرأ أيضا:

مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (الأنفال 67:8)

الإحسان إلى الأسرى في الإسلام

من اللافت للنظر في الإسلام الوصاية بالأسير وبحسن معاملته على خلاف ما نجده في الأديان الأخرى، ولقد نزل بذلك آيات في القرآن تتلى إلى يومنا هذا وحتى قيام الساعة. فعلى سبيل المثال، نجد في القرآن الكريم وعد للأسرى بجزيل العطاء والمغفرة في الدنيا والآخرة إذا أقلعوا عن الشر وعملوا الخير. فنحن نقرأ:

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (الأنفال 70:8)

ولقد أوصى القرآن الكريم بحسن معاملة الأسرى وعدّ المحسنين إلى الأسرى من الأبرار وعباد الله الذين وعدهم الله بحسن العاقبة وعظيم الأجر في الآخرة. فنحن نقرأ:

إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا. عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا. يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا. وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (الإنسان 5:76-8)

والأغرب من ذلك حض الإسلام على فكاك الأسرى أي إطلاق سراحهم. فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فكوا العاني يعني الأسير وأطعموا الجائع وعودوا المريض (رواه البخاري)

ولقد طبق النبي محمد هذا الحديث عمليا في حياته صلى الله عليه وسلم كما رأينا وكما سنرى، حيث أطلق سراح سبايا وأسرى بني المصطلق وسبايا وأسرى هوازن من أهل مالك بن عوف.

السبي في الإسلام

أما سبي النساء والأطفال، فعلى الرغم من إباحته في الإسلام، إلا أن المسلمين لم يبدو حرصا على سبي النساء والأطفال واستعبادهم وإنما سجل التاريخ مواقف عديدة تخلى فيها المسلمون عن سباياهم من النساء والأطفال. فقد تخلى المسلمون في حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن سبايا بني المصطلق وسبايا هوازن.

فأما سبايا وأسرى بني المصطلق، فعن ابن إسحاق: حدثنا محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة، قالت: لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية في سهم رجل، فكاتبته، وكانت حلوة ملاحة، لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه؛ فكرهتها – يعني لحسنها – فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث، سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، وقد كاتبت، فأعني .فقال: أوخير من ذلك: أؤدي عنك، وأتزوجك؟ فقالت: نعم، ففعل، فبلغ الناس، فقالوا: أصهار رسول الله! فأرسلوا ما كان في أيديهم من بني المصطلق، فلقد أعتق بها مائة أهل بيت، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها (سير أعلام النبلاء)

وأما سبايا هوازن، فعن عروة بن الزبير أن مروان والمسور بن مخرمة أخبراه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم معي من ترون وأحب الحديث إلي أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال وقد كنت استأنيت بكم وكان أنظرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف فلما تبين لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين قالوا فإنا نختار سبينا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد فإن إخوانكم قد جاءونا تائبين وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل فقال الناس قد طيبنا ذلك يا رسول الله … (رواه البخاري)

الإحسان إلى السبايا في الإسلام

لقد شاع في الإسلام تكريم السبايا على نحو لم يعرف له التاريخ نظيرا. فلقد حض على تحريرهن وإطلاق سراحهن في جملة الأمر بفك الرقاب في الإسلام (البلد 13:90)، لاسيما وقد جعل الإسلام عتق الرقاب كفارة لبعض الخطايا (المائدة 89:5)، (المجادلة 3:58).

ولم يقتصر الإسلام في وصايته بالسبايا على مجرد العتق بل دعا إلى تعليمهن وتأديبهن وعتقهن ثم الزواج منهن، وضاعف الأجر في ذلك ترغيبا للمسلمين في الإقدام على ذلك. فعن أبي بردة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أيما رجل كانت عنده وليدة فعلمها فأحسن تعليمها وأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران…” (رواه البخاري)

ولقد كان النبي محمد القدوة والمثل الأعلى في ذلك، فكثيرا ما أعتق السبايا وتزوجهن حتى أن بعض أمهات المؤمنين كن أساسا من السبايا، فكانت السيدة جويرية بنت الحارث وصفية بنت حيي والسيدة ريحانة بنت زيد من سبايا الحرب، فأعتقهن النبي صلى الله عليه وسلم وتزوجهن فصرن من أمهات المؤمنين.

ولم تقتصر السبايا اللاتي أعتقهن النبي محمد على أمهات المؤمنين فقط بل إن عتق بعض أمهات المؤمنين قد أدى إلى عتق سبايا أقوامهن. ولقد أعتق النبي سبايا لم يتزوج منهن مثل السيدة سفانة بنت حاتم الطائي وسبايا هوازن حتى لا يظن ظان أن النبي إنما كان يعتق السبايا فقط ليتزوج منهن.

ولقد عدد الإسلام أسباب عتق السبايا، ففي حين أنه يدعو إلى عتقهن بدون مقابل وتعليمهن وتأديبهن وعتقهن ثم الزواج منهن، يدعو الإسلام أيضا من تعذر عليه ذلك إلى مكاتبهن أي تقاضي مقابل مادي منهن مقابل عتقهن (النور 33:24). كما أن الإسلام أوجب استبراء السبايا وعدم إتيانهن إلا بعد استبرائهن بحيضة واحدة وجعل في إنجاب السبية من سيدها عتقها، فتسمى أم ولد فلا يجوز لسيدها التصرف فيها بعد أن أنجبت له طفلا.

فإن لم يتيسر العتق ولا المكاتبة ولا الإنجاب للسبايا والإماء، فلقد ضمن الإسلام للسبايا والإماء حياة طيبة بفضل المكتسبات التي كفلها لهن. فعلى سبيل المثال، حض الإسلام على الزواج من السبايا والإماء المؤمنات عند عدم القدرة على الزواج من الحرائر المؤمنات وأوجب لهن ما يجب للحرائر من لزوم المهر والحصول على إذن الأهل أي الأولياء (النساء 25:4)، (البقرة 221:2).

ولقد دعا الإسلام إلى الإحسان إلى السبايا (النساء 36:4)، ومن أشكال الإحسان إلى السبايا التي خصها الإسلام بالذكر النهي عن إكراههن على البغاء للانتفاع منهن (النور 33:24)، والدعوة إلى تزويجهن إن لم يرغب أولياؤهن في الزواج منهن (النور 32:24).

ورأفةً بالسبايا والإماء، جعل الإسلام عقوبتهن نصف عقوبة الحرائر في حالة ارتكابهن ما يوجب الحد شرعا (النساء 25:4).

_________

المراجع:

  1. القرآن الكريم
  2. صحيح البخاري
  3. صحيح مسلم
  4. مسند الإمام أحمد
  5. السيرة النبوية لابن إسحاق
  6. الرحيق المختوم، صفي الرحمن المباركفوري، دار الهلال، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى
  7. مصنف ابن أبي شيبة
  8. سيرة أبي بكر الصديق، علي الصلابي، ص312
  9. تاريخ الطبراني
  10. سير أعلام النبلاء

_________

اقرأ أيضا:

معجم ألفاظ استباحة القتل والتحريض عليه في الكتاب المقدس ونظائرها في القرآن

القتل والسلب والغنيمة والجزية والأسر والسبي بين المسيحية والإسلام (2/1)

تكريم المرأة بين الإسلام والمسيحية

[opic_orginalurl]

Similar Posts