سبحان ربي الظاهر الباطن …

أ.د. عمرو شريف

الظاهر الباطن

“فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ. وَمَا لَا تُبْصِرُونَ” (الحاقة:38-39)

للوجود عقل مدرك وعقل باطن

تقف قدرتنا على “الرصد الحسي” عند الظواهر الطبيعية (مثل الزلازل والبرق والرعد والمطر وسقوط الأجسام)، التي هي ظاهر الوجود، ثم “يدرك” الراصد بعقله أن تلك الظواهر الظاهرة تقف وراءها قوانين الفيزياء الكلاسيكية غير الظاهرة (مثل قانون الجاذبية)، التي تحكمها فيزياء الكم الغامضة، وتحكم الأخيرة فيزياء الفراغ الأكثر غموضاً.

إن ذلك يعني أن الظواهر تحكمها آليات باطنة، وأن كل مستوى من مستويات الفيزياء يعتبر ظاهراً لما قبله وباطناً لما بعده، كما يعني أن القوانين الباطنة تتجلى في الظواهر والآثار.

كذلك يخبرنا العلم أن مادة الكون وطاقته هما ظاهران، بالنسبة لمادة سوداء وطاقة سوداء باطنان يعجز الإنسان عن رصدهما.

وإذا تأملنا الإنسان، نجد أن صورته الجسدية الظاهرة تقف وراءها أجهزة وأعضاء باطنة، خصص لها الأطباء علماً أسموه علم الأمراض الباطنة. وإذا انتقلنا إلى السلوك الإنساني وجدناه محكوماً بوعي يدركه الإنسان فأطلق عليه العقل الواعي، وأيضاً بآليات لا يدركها الإنسان أطلق عليها اللاشعور أو اللاوعي ، أرجعه إلى العقل الباطن، وبذلك صار الجسد ظاهراً لباطن هو النفس.

وإذا كانت أمخاخنا هي ظاهر، فالعقول التي تُسَخِّر هذه الأمخاخ هي باطن. كذلك تلك العقول، هي ظاهر بالنسبة لروح هي باطن.

من ثنائيات الظاهر الباطن

وتشتق من ثنائية الظاهر والباطن في بنية الوجود ثنائية مشابهة، وهي ثنائية الغيب والشهادة. فما هو ظاهر ينتسب إلى عالم الشهادة، وما هو باطن ينتسب إلى عالم الغيب.

وينقسم الغيب إلى غيب مطلق ليس للإنسان أن يتوصل إليه البتة في هذه الحياة، كالملائكة والجنة والنار، وغيب مرحلي، كان غيباً في زمان ما أو مكان ما، ثم يصير مشهوداً مدركاً. فالكثير مما كان غيباً من العلم في القرن الماضي صار شهادة في أيامنا، وما هو غيب لوقوعه في بيت مجاور هو شهادة لأهل هذا البيت.

والمدهش أن المخ البشري تطرقه في الثانية الواحدة 400 مليار معلومة، ولا يستطيع العقل أن يدرك منها إلا ألفي معلومة فقط! أي لا يصل إلى مستوى الشهادة بالنسبة للإنسان إلا هذا القدر الضئيل جداً من المعلومات، أي جزء من ملايين الأجزاء من معلومات عالم الشهادة الذي نحيا فيه!!

وكلما تكشف للعلم بعضٌ من غوامض الوجود، فتح ذلك أبواباً من المجهول الذي يحتاج إلى تفسير. وفي ذلك المعنى قالوا: إذا كان ما نعرفه (عالم الشهادة/ الظاهر) يتضاعف بمتوالية عددية، فإن ما نجهله (عالم الغيب/ الباطن) يتضاعف بمتوالية هندسية.

وإذا كانت الظواهر والآثار هي ظاهر لباطن (هو آليات هذه الموجودات) فإن تلك الآليات هي ظاهر بالنسبة للحكمة منها، ومن ثم تصبح الغائبة (التي لا يعلمها إلا الله) باطناً لظاهر.

من أجل ذلك يُقسم الله عز وجل في كتابه الحكيم بقوله: “فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ. وَمَا لَا تُبْصِرُونَ” (الحاقة:38-39). إن رب العزة يقسم بهذا النمط الذي يتميز به الوجود، وهو نمط الغيب والشهادة / الظاهر و الباطن.

وعندما عَلَّمَ الله عز وجل آدم فقد علمه ظواهر الأمور “وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ” (البقرة:31)، نعم علمه “أسماء” الأشياء والمفاهيم، أما “المسميات” التي هي حقائق الأمور فقد أخفاها وتركها باطنة/غيب.

وفي الوقت نفسه، أخبرنا الله عز وجل أنه اختص خليله إبراهيم عليه السلام بعلم حقائق الأمور، فقال عز وجل: “وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ” (الأنعام:75) . نعم لقد أراه “الملكوت” الذي هو الحقائق وراء الظواهر .

من ذلك ندرك أن بنية الوجود تقوم على ثنائية الظاهر الباطن / الغيب الشهادة، ويدرك ذوو العقول أن تلك الثنائية يقف وراءها موجد مدبر يتصف بها، من ذلك أدركوا أن الله عز وجل هو “الظاهر الباطن” .

________________________________

 المصدر: بتصرف يسير عن كتاب/ الوجود رسالة توحيد، نيوبوك للنشر، القاهرة، ط1، 2015

[ica_orginalurl]

Similar Posts