الروح القدس

فرق كبير بين الروح القدس في المسيحية وروح القدس في الإسلام

إعداد فريق التحرير

إنه الروح القدس، الكائن المحير الذي حير جميع أتباع الديانات السماوية فليس هناك إجماع على ما إذا كان إلها أم ملكا أم ماذا. فلكل رسالة سماوية تصورها الخاص عن هذا الكائن العجيب. ويتعذر الجمع بين هذه التصورات نظرا للتباين الشديد بينها. لنلق نظرة على طبيعة هذا الكائن في ضوء القرآن الكريم من جانب والكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد من جانب آخر.

الروح القدس في الإسلام

الروح القدس أو روح القدس في الإسلام هو جبريل عليه السلام وهو ملك من ملائكة الله عز وجل. ويشار إليه أحيانا باسمه “جبريل”، وأحيانا أخرى بأسماء أخرى منها “روح القدس”. وأما تسميته بروح القدس تمييزا له عن باقي الملائكة فترجع إلى دوره الهام في تنزيل الوحي ومولاته وتأييده للأنبياء والمرسلين والصالحين.

الروح القدس أو روح القدس في الإسلام هو جبريل وهو ملك من ملائكة الله، أما الروح القدس في المسيحية فهو ثالث ثلاثة أقانيم تمثل الإله، فهو الله مع الآب والابن

ولقد اجتهد العلماء في تعليل تسميته بالروح بخلاف باقي الملائكة. فقال الجياني: سمى روحاً لأن النفوس تحيى به كما تحيى بالأرواح. وقال الرازي وتبعه ابن عادل: سماه روحاً من حيث خلق من الروح. وقيل: لأنه نجاة الخلق في باب الدين فهو كالروح الذي تثبت معه الحياة. وقيل: لأنه روح كله لا كالناس الذين في أبدانهم روح. وسماه أميناً لأنه مؤتمن على ما يؤديه إلى الأنبياء عليهم السلام وإلى غيرهم.

فأما الدليل على كون جبريل هو “روح القدس”، فهو الإشارة إليه بأنه نزل بالقرآن على النبي وأنه يوالي النبي ويؤيده، وهذه من خصائص روح القدس كما وردت في القرآن الكريم.

فعن نزول جبريل بالقرآن، نقرأ في القرآن الكريم:

قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (البقرة 97:2)

وعن موالاته للنبي وتأييده له، نقرأ أيضا:

إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (التحريم 4:66)

وعن نزول روح القدس بالقرآن، نقرأ في القرآن الكريم:

قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (النحل 102:16)

وعن موالاته وتأييده للأنبياء والمرسلين، نقرأ أيضا:

وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ (البقرة 87:2)

وعن كونه روحا يهب الحياة بإذن الله ومن عند الله، يخبرنا القرآن الكريم أنه كان سببا في مخاض السيدة مريم بالسيد المسيح. فنحن نقرأ:

فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا. قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا. قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (مريم 17:19-19)

وعن كونه نجاة الخلق في باب الدين، نقرأ أيضا:

قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (النحل 102:16)

الروح القدس في المسيحية

الروح القدس في المسيحية هو ثالث ثلاثة أقانيم تمثل الإله. فالروح القدس هو الله مع الآب والابن. وهو عند الأرثوذكس منبثق من الآب فقط، أما عند الكاثوليك والبروتستانت، فهو منبثق من الآب والابن معا.

ولكن العجيب أن وضعية الروح القدس كثالث ثلاثة أقانيم وكونه منبثقا من الآب فقط أو الآب والابن معا لا أصل له في الكتاب المقدس. لنلق نظرة الآن على طبيعة الروح القدس حسبما وردت في الكتاب المقدس.

في العهد القديم، نجد أن الروح القدس لا يتخذ إلها وإنما هو روح الله يوالي المؤمنين ويؤيدهم وإن كان العهد القديم يوحي بالاتحاد والحلول وهو ما لا يقره الإسلام. ففي العهد القديم نقرأ عن الروح القدس: “قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اَللهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي. لاَ تَطْرَحْنِي مِنْ قُدَّامِ وَجْهِكَ، وَرُوحَكَ الْقُدُّوسَ لاَ تَنْزِعْهُ مِنِّي“. (مزمور 10:51-11)

كما نقرأ أيضا: “وَلكِنَّهُمْ تَمَرَّدُوا وَأَحْزَنُوا رُوحَ قُدْسِهِ، فَتَحَوَّلَ لَهُمْ عَدُوًّا، وَهُوَ حَارَبَهُمْ. ثُمَّ ذَكَرَ الأَيَّامَ الْقَدِيمَةَ، مُوسَى وَشَعْبَهُ: أَيْنَ الَّذِي أَصْعَدَهُمْ مِنَ الْبَحْرِ مَعَ رَاعِي غَنَمِهِ؟ أَيْنَ الَّذِي جَعَلَ فِي وَسَطِهِمْ رُوحَ قُدْسِهِ” (إشعياء 10:63-11)

أما العهد الجديد، فنجد فيه تضاربا شديدا حول طبيعة الروح القدس. فيخبرنا العهد الجديد أن السيدة مريم العذراء حبلت من الروح القدس، ولا مشكلة في ذلك، فلقد كان الروح القدس فعلا سببا في مخاض السيدة مريم بالسيد المسيح وإن كان ظاهر كلام العهد الجديد يوحي بالاتحاد والحلول على غرار العهد القديم. ففي العهد الجديد نقرأ:

“أَمَّا وِلاَدَةُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَكَانَتْ هكَذَا: لَمَّا كَانَتْ مَرْيَمُ أُمُّهُ مَخْطُوبَةً لِيُوسُفَ، قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَا، وُجِدَتْ حُبْلَى مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. فَيُوسُفُ رَجُلُهَا إِذْ كَانَ بَارًّا، وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يُشْهِرَهَا، أَرَادَ تَخْلِيَتَهَا سِرًّا. وَلكِنْ فِيمَا هُوَ مُتَفَكِّرٌ فِي هذِهِ الأُمُورِ، إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لَهُ فِي حُلْمٍ قَائِلاً: يَا يُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ، لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ. لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ”. (متى 18:1-20)

وبناء على الأعداد السابقة من العهد الجديد، يمكننا القول بأننا إذا سلمنا بعقيدة الاتحاد والحلول فإن السيد المسيح هو الذي انبثق من الروح القدس وليس العكس. وحيث أن السيد المسيح هو الذي انبثق من الروح القدس وفقا للعهد الجديد، فلا نتعجب عندما يذكر السيد المسيح حسبما نقل عنه العهد الجديد أن التجديف عليه قد يغفر أما التجديف على الروح القدس فلا يغفر.

ففي العهد الجديد نقرأ: “لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ خَطِيَّةٍ وَتَجْدِيفٍ يُغْفَرُ لِلنَّاسِ، وَأَمَّا التَّجْدِيفُ عَلَى الرُّوحِ فَلَنْ يُغْفَرَ لِلنَّاسِ. وَمَنْ قَالَ كَلِمَةً عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ يُغْفَرُ لَهُ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ، لاَ فِي هذَا الْعَالَمِ وَلاَ فِي الآتِي”. (متى 31:12-32)

وبناء على ما سبق، إذا سلمنا بعقيدة التثليث، فإن ترتيب الأقانيم ينبغي أن يكون كالتالي: الآب ثم الروح القدس ثم الابن. ولكن، حتى الأعداد التي تشير إلى عقيدة التثليث في العهد الجديد بها تضارب شديد. فعلى سبيل المثال نقرأ: “فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلاً: دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ، فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ“. (متى 18:28-19)

فلنا أن نسأل: من دفع كل سلطان في السماء وعلى الأرض إلى السيد المسيح؟ إذا كان الآب، فالآب هو الإله. وإذا كان الآب والروح القدس، فهما الإله دون السيد المسيح. وعلى أي حال، إذا كان السيد المسيح قد أمر فعلا بالتعميد باسم الآب والابن والروح القدس، فهل يعني ذلك أنهم آلهة أو أقانيم لإله؟

إن كثيرا من الساسة على سبيل المثال يقولون “باسم الشعب” و”باسم الملك” وكثير من رجال القانون يقولون “باسم القانون”، فهل يعني ذلك أن الشعب أو الملك أو القانون إلههم؟

وفي النهاية، لنا أن نسأل: أين يذكر الكتاب المقدس صراحة أن الروح القدس إله أو أنه ثالث ثلاثة أقانيم أو أنه منبثق من الآب أو الابن أو الاثنين معا؟

الفرق بين الروح القدس وروح الله

كما يختلف تصور الروح القدس في الكتب السماوية الحالية للرسالات السماوية، يختلف تصور روح الله أيضا في هذه الكتب وهذه الرسالات. ففي العهد القديم، ليس هناك فرق بين الروح القدس وروح الله وكما أسلفنا ليس الروح القدس إلها منفكا عن الله وإنما هو روحه التي يؤيد بها من يشاء من عباده الصالحين ولكن يوحي العهد القديم بالاتحاد والحلول في كل منهما.

فعلى سبيل المثال، نقرأ عن “روح الله” في العهد القديم: فَقَالَ لَهُ مُوسَى: «هَلْ تَغَارُ أَنْتَ لِي؟ يَا لَيْتَ كُلَّ شَعْبِ الرَّبِّ كَانُوا أَنْبِيَاءَ إِذَا جَعَلَ الرَّبُّ رُوحَهُ عَلَيْهِمْ». (العدد 29:11)

أما في العهد الجديد، فلا فرق أيضا بين الروح القدس وروح الله، فهما يستعملان بمعنى واحد. فعلى سبيل المثال نقرأ في العهد الجديد، “فَلَمَّا اعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ الْمَاءِ، وَإِذَا السَّمَاوَاتُ قَدِ انْفَتَحَتْ لَهُ، فَرَأَى رُوحَ اللهِ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِيًا عَلَيْهِ” (متى 16:3)

أما في القرآن الكريم، فتنسب كلمة “روح” إلى الله عز وجل ويراد بها معاني مختلفة على النحو التالي:

1- تنسب كلمة “الروح” إلى الله ويراد بها ذاته تعالى نفسه أو صفة من صفاته. فعلى سبيل المثال، يقول الله تعالى أنه نفخ في آدم من روحه أي من ذاته أو قدرته، فنحن نقرأ:

فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (الحجر 29:15)

كما يقول تعالى أنه نفخ في السيدة مريم من روحه أي من ذاته أو قدرته، فنحن نقرأ:

وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ (الأنبياء 91:21)

كما نقرأ أيضا:

وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (التحريم 12:66)

2- تنسب كلمة “الروح” إلى الله ويراد بها روح القدس وهو جبريل عليه السلام. فعلى سبيل المثال، نقرأ في القرآن الكريم:

فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (مريم 17:19)

كما نقرأ أيضا:

أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ (المجادلة 22:58)

3- تنسب كلمة “الروح” إلى الله ويراد بها المسيح عيسى بن مريم. فعلى سبيل المثال، نقرأ في القرآن الكريم:

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (النساء 171:4)

والحاصل أن الروح القدس وروح الله في العهد القديم بمعنى واحد وهو الروح القدس وهو ليس منفكا عن الله ولكنه روحه الذي يؤيد به عباده الصالحين. وكذلك، فإن الروح القدس وروح الله في العهد الجديد بمعنى واحد وهو الروح القدس الذي هو ثالث ثلاثة أقانيم تمثل الإله فهو الله مع الآب والابن. أما في القرآن الكريم، فروح الله ليس بالضرورة روح القدس الذي هو جبريل وإنما قد تعني أيضا ذات الله تعالى نفسه وصفاته وقد تعني المسيح عيسى بن مريم.

_________

المراجع:

1- القرآن الكريم

2- تفسير الطبري

3- الكتاب المقدس

4- islamweb.net

[opic_orginalurl]

Similar Posts