إن المتأمل السطحي يرى ما يُسبّبُه مرض الكورونا من معاناة وحالات وفاة وما تَرتب عليه من توقف لكافة أنشطة الحياة وانعزال الناس في بيوتهم اتقاءاً لهذا المرض، يراه شراً لا محالة، غير أن الشر نسبي وليس مطلق…

(مقتطف من المقال)

بقلم/ فاتن صبري**

لا ملجأ من الله إلا إليه!

الكورونا

لا يمكن للملحدين التغلب على فرضية ظهور الشر إلا حينما يُقروا بدايةً بوجود عالم مليء بالظواهر الجميلة، المنظمة والجيدة التي لا حصر لها.

لطالما في صغري أحببت آية “… أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ…” (التوبة:118) وكنت أرددها دائما لأستشعر قربي من الله، لكنني لم أفهمها جيدا حتى حصل معي موقف طريف منذ أكثر من عشرين عاما، عندما كان ابني طفلا صغيرا لا يتجاوز عمره الثلاثة أعوام، يصر على لمس فرن الطهي وهو ساخن، حتى اضطررت أن أضربه على يده لأمنعه من العودة إلى هذا التصرف؛ فبكى وأخذ يجول من مكان إلى آخر في المنزل لا يدري أين يذهب، تزامن هذا مع نداء أبيه له ليرضيه، لكن المفاجئة أنه عاد لي مباشرة بدلاً من الذهاب لأبيه وبكى في حجري مما أضحك والده، وقال: سبحان الله.

أما أنا فتذكرت قوله تعالى: “…أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ…” وقلت في نفسي الآن فهمتها، فالله سبحانه وتعالى يُذكرنا عندما نتعرض لبعض المصاعب للرجوع إليه كلما ابتعدنا عنه، وشعرت حينها بفرحة عارمة.

فيروس الكورونا وحكمة الله:

إن ما يقع في الأرض من كوارث يتضرر منها البشر كالأمراض، البراكين، الزلازل والفيضانات، إنما هي تجليات لأسماء الله وصفاته، وهي في نفس الوقت بمثابة ابتلاء وامتحان للإنسان يجازى عليه بالإحسان إن صبر وبالعذاب إن ضجر، وبذلك يتعرف الإنسان على عظمة ربه من خلال هذه البلايا تماما كما يتعرف على جماله من خلال العطايا. وفي ذلك قالوا: إن لم يعرف الإنسان إلا صفات الجمال الإلهي فكأنه لم يعرف الله عز وجل.

سألني أحدهم يوما عن هؤلاء الذين وقع عليهم الابتلاء بالكوارث، الأمراض أو ما شابه ذلك فقلت له ببساطة:

إن الحياة الدنيا ليست إلا لحظة إذا قارنتها بالحياة الأخرى الأبدية، ومن ثم يهون كل ما عاناه المؤمن في الدنيا بغمسة واحدة في نعيم الجنة كما بشر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إن وجود المصائب والشرور والآلام كانت السبب وراء إلحاد كثير من الفلاسفة الماديين المعاصرين، ومنهم الفيلسوف “أنتوني فلو” وكان قد اعترف بوجود الإله قبل موته وكتب كتاباً أسماه “يوجد إله”، على الرغم من أنه كان زعيما للإلحاد خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وعندما أقر بوجود إله:

إن وجود الشر والألم في حياة البشر لا ينفي وجود الإله، لكنه يدفعنا لإعادة النظر في الصفات الإلهية، ويعتبر “أنتوني فلو” أن لهذه الكوارث إيجابياتها، فهي تستفز قُدرات الإنسان المادية، فيبتكر ما يُحقق له الأمان، كما تستفز أفضل سماته النفسية وتدفعه لمساعدة الناس، وقد كان لوجود الشر والألم الفضل في بناء الحضارات الإنسانية عبر التاريخ، وقال: إنه مهما تعددت أُطروحات لتفسير هذه المعضلة فسيظل التفسير الديني هو الأكثر قَبولا والأكثر انسجاما مع طبيعة الحياة.

إن المتأمل السطحي يرى ما يُسبّبُه مرض الكورونا من معاناة وحالات وفاة وما تَرتب عليه من توقف لكافة أنشطة الحياة وانعزال الناس في بيوتهم اتقاءاً لهذا المرض، يراه شراً لا محالة، غير أن الشر نسبي وليس مطلق، فلو أننا تفحصنا الوضع من زاوية أخرى لوجدنا أن نسبة التلوث في هذه الفترة نزلت لأقل مستوياتها في كلّ أنحاء العالم نظراً لتوقف حركة الطيران وحركة السيارات والذي بدوره أدى إلى تقليل الانبعاثات الصادرة عن هذه المحركات الملوثة للبيئة. وكأن الكرة الأرضية والبيئة دخلت في مرحلة نقاهة خلال فترة انتشار مرض الكورونا. ولا بد للإنسان أن يتأمّل ويعيد النظر في أموره الحياتيّة.

تسبب هذا الوضع في لم شمل الأُسر في داخل البيوت، كما ذكّرهم بنعم الله عليهم، وبتقصيرهم في الحمد والشكر لرب العالمين. فالإنسان لا يشعر بالنعمة إلا حينما يفقدها.

كما بدأت الناس تعي أهمية النظافة أكثر من أي وقتٍ مضى، وتعي ضرورة اتباع أساليب وقاية جادة واستخدام معقمات بصورة مفرطة، وغسل اليدين بالماء والصابون في كل وقت وحين، من كان يتوقع كل ذلك؟

مما لا شك فيه أن هذا الحدث الجلل أعاد ترتيب أولويات الحياة، كما أظهر مدى ضعف الإنسان وهشاشته، وجبروته الكاذب، ومحاولاته البائسة ضد هذا الميكروب. هذا الجبروت الذي هزمه فيروس لا يرى بالعين المجردة.

هذا الحدث كسر كبرياء الكثير ممن ظنوا أن البشر وصلوا لأعلى درجات العلم المادي، وصاروا أشبه بالآلهة وظنوا أنهم بذلك استغنوا عن الدين والخالق.

إن مرض الكورونا يفتك بالصغير والكبير، الضعيف والقوي، الفقير والغني، الإنسان البسيط والملك ولا يفرق بين أحد. وقد سمعنا عن كثير من الأثرياء الذين فروا إلى الملاجئ أو القصور المنعزلة في محاولة للهروب من بطش هذا المرض. هؤلاء أنفسهم كانوا لا يكترثون بمعظم الأوبئة والأمراض لظنهم أنه يمكنهم القضاء عليها من خلال الإنفاق على العلاج. المشكلة الآن لدى الأثرياء أن الأموال موجودة في حين أن العلاج غير موجود. وكأن الفيروس جاء ليُقيم المساواة بين البشر، لا يُفرق بين قوي وضعيف ولا يُفرق بين غني وفقير.

إنه لمن العجيب أن نرى أن البشرية بأسرها توحدت لأول مرة في التاريخ لمواجهة هذا الميكروب.

إن لم يكن هناك إله فمن أين لنا هذا الخير؟

الكورونا

لو أننا تفحصنا الوضع من زاوية أخرى لوجدنا أن نسبة التلوث في هذه الفترة نزلت لأقل مستوياتها في كلّ أنحاء العالم نظراً لتوقف حركة الطيران وحركة السيارات والذي بدوره أدى إلى تقليل الانبعاثات الصادرة عن هذه المحركات الملوثة للبيئة.

إن المتسائل من الملحدين عن سبب وجود الشر في هذه الحياة الدنيا كذريعة لنفي وجود الإله، يكشف لنا عن قصر نظره وهشاشة فكره عن الحكمة وراء ذلك، وعن غياب وعيه عن بواطن الأمور، وقد اعترف الملحد بسؤاله ضمنا أن الشر استثناء.

لذلك قبل السؤال عن حكمة ظهور الشر، كان من الأحرى طرح السؤال الأكثر واقعية وهو “كيف وُجد الخير بدايةً؟

لا شك أن السؤال الأكثر أهمية لا بد أن يبدأ من سبب وجود الخير. فلا بد أن نتفق على نقطة البداية أو المبدأ الأصيل أو السائد. ومن ثم يمكن أن نجد التعليلات للاستثناءات.

يضع العلماء قوانين ثابته ومحددة لعلوم الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا بدايةً، ومن ثم يتم عمل دراسة للاستثناءات والحالات الشاذة عن هذه القوانين.

وبالمثل لا يمكن للملحدين التغلب على فرضية ظهور الشر إلا حينما يُقروا بدايةً بوجود عالم مليء بالظواهر الجميلة، المنظمة والجيدة التي لا حصر لها.

وبمقارنة فترات الصحة والفترات التي يظهر فيها المرض على مدى متوسط ​​العمر، أو مقارنة عقود من الازدهار والرخاء وما يقابلها من فترات الخراب والدمار، وكذلك قرون من هدوء الطبيعة والسكينة وما يقابلها من ثوران البراكين والزلازل. من أين يأتي الخير السائد بدايةً؟ إن عالما قائما على الفوضى والمصادفة لا يمكن أن ينتج عالمًا جيدا.

ومن المفارقات أن التجارب العلمية تؤكد ذلك: ينص القانون الثاني للديناميكا الحرارية على أن الإنتروبيا الكلية (درجة الاضطراب أو العشوائية) في نظام معزول بدون أي تأثير خارجي ستزداد دائمًا، وأن هذه العملية لا رجعة فيها.

بمعنى آخر، الأشياء المنظمة ستنهار وتتلاشى دائمًا ما لم يجمعها شيء من الخارج. على هذا النحو، فإن القوى الديناميكية الحرارية العمياء لم تكن لتنتج أبدًا أي شيء جيد من تلقاء نفسها، أو أن تكون جيدة على نطاق واسع كما هي، دون أن يُنظم الخالق هذه الظواهر العشوائية التي تظهر في الأشياء الرائعة مثل الجمال والحكمة والفرح والحب، وهذا كله فقط بعد إثبات أن القاعدة هي الخير والشر هو الاستثناء.

يقول ابن القيم:

إن الشر والألم: إما إحسان ورحمة، وإما عدل وحكمة، وإما اصلاح وتهيئة لخير يحدث بعدها، وإما لدفع شر هو أصعب منه.

في حوار لي مع ملحد روسي طرح كثير من الأسئلة، من ضمنها المتاعب والالآم التي يعاني منها البشر.

 قلت له: إن نظرتنا إلى الشر والألم تتوقف على نظرتنا إلى حقيقة الحياة الدنيا والغرض من الوجود الإنساني فيها والتي تختلف لدى المتدينين عنها لدى الماديين. قلت له: إن المنظور المادي يَعتبر أن الحياة الدنيا ليس وراءها غرض تحكمه غاية، وأن الإنسان إذا مات صار عدما، إذ ليس هناك بعث تتبعه حياة أخرى، فعلى الإنسان أن يُحصِّل أقصى ما يستطيع من مُتع، وبالتالي يُصبح ما قد يشعر به من ألم وكل ما يحجبه عن هذه المتع شر لا جدال فيه، وانطلاقا من هذا المنظور يُصبح ما يتعرض له الإنسان من شرور وآلام أمورا عشوائية تمر به خلال حياته في دنيا نشأت بأسلوب عشوائي أيضا، ومن ثم يُصبح القول بوجود إله كله رحمة ومحبة يُنظم هذه الحياة هراء وعبث بالنسبة لهم، وهذا يَعني أن كل ما يحجبهم عن هذه المتعة هو ألم بالنسبة لهم.

يمكن للقارئ الكريم مطالعة المقالات التالية للاستزادة حول قضية وجود الشر ومغزى الابتلاءات

فقه الابتلاء وحقائق التمحيص ورفع الدرجات

الابتلاءات.. عقوبة للبشر أم اصطفاء لهم؟!

____________________________________

** فاتن صبري (1973) مفكرة إسلامية، تعمل في مجال الدعوة للتوحيد وتصحيح المفهوم الخاطئ عن الخالق، عُرفت بنشاطاتها في التواصل مع مختلف الثقافات والديانات، تتحدث خمس لغات، درست مقارنة الأديان، ونشرت العديد من الكتب، وتُرجمت بعض كتبها لأكثر من 14 لغة.

Soucre Link

Similar Posts