مأساة المشاع أو مأساة الموارد العامة المشتركة .. هي مصطلح أطلقه هاردين في ورقة بحثية هامة عام 1968م وهي تعني أن الأفراد الذين يتنافسون حول مورد قد يؤدي تنافسهم هذا إلى زوال المورد نفسه، وبالتالي زوال النظام البيولوجي كله وهذا يمكن وقوعه في كل الموارد الموجودة في الطبيعة بوجود الأفراد غير المتعاونين الذين سيدمرون الموارد بالاستهلاك غير الرشيد، أو بتغلبهم على المتعاونين في مجتمعهم ودفعهم إياهم إلى حافة الانقراض، فيهلك المجتمع كله بسبب ضياع المتعاونين (Evolutionary suicide).

الموارد المشتركة

المثال الذي ضربه هاردين في ورقته على مأساة الموارد المشتركة كان بمرعى مفتوح يرعى به مَن يشاء من الرعاة، فهذا المرعى له حد أدنى تحتاجه الحشائش لإعادة النمو ولو تم التعدي عليه فسينهار المرعى ولن يتمكن من تجديد نفسه.

وهؤلاء الاستغلاليون يمكن وجودهم في أي مجموعة من الكائنات الحية سواء عن طريق الطفرات أو عن طريق هجرة الأفراد من مكان إلى آخر. أي إن الحياة ينبغي أن تكون قد انتهت منذ بلايين السنين فهي لن تجتاز عصر الكائنات الأولية إذا صارت الأمور بطريقة طبيعية. وتبقى نظرية التطور عاجزة تماماً عن تقديم حل يتوافق مع ماديتها لهذه المعضلة القاتلة.

كيف تدل هذه المعضلة دلالة مباشرة على تدخل من عليم حكيم (تدخل واعٍ)؟

التطور له اتجاه واحد فقط وهو دفع الأفراد لتحصيل أكبر قدر من الأرباح والمنافع بدون حد أقصى، وفي المقابل فالموارد لها حد أدنى Threshold لو تم التعدي عليه فسينهار المورد ولن يتمكن من تجديد نفسه.

فوجود هذا الحد الأدنى هو شرط أساسي لوجود المورد وأي مساس به معناه انهيار المورد، فهو أشبه برأس المال لأي مشروع تجاري والذي لو تم التعدي عليه فستنهار التجارة كلها، فلو تعدى الشركاء في تجارة ما على رأس المال لأنهم لا يحسبون نسبة أرباحهم وينفقون كل ما يدخل إلى خزينتهم ظناً منهم أن كل هذه الأموال من فائض أرباحهم وأن رأس مالهم ما زال في أمان، فهذه التجارة مصيرها الدمار لا محالة ولذلك فحساب نسبة الأرباح هو السبيل الوحيد لتفادي هذه المشكلة لكن الحساب هذا يحتاج إلى وعي (لأنه ليس هناك علامة مادية تميز بين النقود التي هي جزء من رأس المال، والنقود التي هي ربح خالص. وإنما يُعرف الفرق بينهما بالعمليات الحسابية التي تقيم فرقاً رياضياً بين رأس المال والأرباح) وهذا الذي يزيد الطين بلة بالنسبة لنظرية التطور، لأن هذا الحد الأدنى ليس له أي وجود مادي وإنما وجوده ذهني رياضي فقط، فلا يمكن التعرف عليه سوى بحسابه.

وبالتالي فلا يمكن للآليات المادية العمياء التعامل معه. وإنما فقط مَن يملك العلم والحكمة هو مَن يستطيع التعامل معه وتدبير هذا الأمر بحساب هذا الحد الأدنى ثم الحفاظ عليه رغم أنف المادية.

والمثال الذي ضربه هاردين في ورقته على مأساة الموارد المشتركة كان بمرعى مفتوح يرعى به مَن يشاء من الرعاة، فهذا المرعى له حد أدنى تحتاجه الحشائش لإعادة النمو ولو تم التعدي عليه فسينهار المرعى ولن يتمكن من تجديد نفسه، وهذا الحد الأدنى لا وجود له مادياً وإنما وجوده ذهني رياضي فقط يأتي بحساب هذا الأمر وعدد الرعاة وما يمتلكه كل راعٍ من الماشية والوقت الذي يحتاجه العشب ليعيد دورة حياته، فمن مصلحة الجميع أن يلتزم بمقدار معين من الماشية ولا يضيف للمرعى المزيد، لكن من مصلحة كل فرد أن يضيف ماشية أكثر لأن ربح هذا سيعود عليه والتكلفة ستقسم على الجميع.

ومن هنا يحدث التعدي على الحد الأدنى للمورد فينهار ويخسر الجميع المرعى الذي كانوا يعتمدون عليه.

ولذلك فكل الحلول التي قدمها هاردين في ورقته كانت تتطلب مهارات عالية ووعياً مثل تدخل الحكومة في تنظيم الأمر. أو بالخصخصة لكي يكون لكل مرعى مَن يقوم عليه. والدراسات كلها في هذا المجال تدور حول الحلول نفسها كالمفاوضات والاتفاقيات وما أشبه ذلك.

وهذا التدخل الضروري ممَن يملك العلم والحكمة ليدبر هذا الأمر تثبته الأبحاث على استحياء. وهذا يهدم تماماً النظرة المادية التي تجسدها نظرية التطور والخالية من أي وعي أو تدبير من صاحب علم وحكمة، وتظهر جلياً في هذا الموضع الحاجة للخالق العليم الحكيم المُدبر للأمر، وتنتحر هنا المادية العمياء ولا تفلح معها كل محاولات الإسعاف.

فالتدخل الواعي هو الآلية العامة الوحيدة التي يمكنها معالجة الاحتمالات اللانهائية لوقوع مأساة الموارد المشتركة في أي مجتمع وفي أي وقت. وذلك بمنع وجود الصفات الأنانية الاستغلالية التي ستكون نتيجة وجودها هي أن يتجاوز المجتمع الحد الأدنى اللازم لبقاء الموارد، والذي لا يمكن التعرف عليه إلا رياضياً، وبالتالي فالحل يجب أن يكون من عليم حكيم ويستحيل أن يكون من آلية مادية عمياء.

ما هي الأدلة التجريبية على وقوع مأساة الموارد المشتركة؟

هناك أدلة تجريبية تم تقديمها في أوراق علمية ترصد الطريقة التي وقعت فيها المأساة على أرض الواقع أو التي أوشكت فيها على الوقوع، وهي قليلة لأن الأصل أن مأساة المشاع لا تقع في الحقيقة كثيراً لأن هناك مَن يدبر الأمر. خلافاً لما كان ينبغي أن يحدث إذا وكلت الأمور للآليات المادية العمياء. لكن بفضل الله أن مثل هذه الحالات القليلة وقعت أو كادت تقع لكي تكون برهاناً حسياً داعماً للبرهان الرياضي والبرهان المنطقي.


المصدر: بتصرف يسير من كتاب اختراق عقل : دلائل الإيمان في مواجهة شبهات الملحدين والمتشككين – د. أحمد إبراهيم – مركز دلائل – الطبعة الأولى 1437هـ/2016م.

Soucre Link

Similar Posts