عندما تحترق النفس وتذوب الروح…

فقدان الأم

رحلتي بدأت منذ صغري.. لما ماتت أمي وكنت تقريباً في التاسعة..

يأس.. إحباط.. حزن.. اكتئاب.. هموم تحاصرني وضيق يكاد يخنقني.. أحس باختناق كأن روحي ستُقبض مني..

هواء نقي.. أحتاج إلى هواء أشعر بالاختناق

دموع تنزل وحدها على وجهي الذي أصبح ذابلاً من شدة التفكير.. حياتي تضيع مني.. لم أعد أعرف للسعادة طعماً ولا للراحة مذاقاً.

_ منذ متى؟؟؟

_ لا أعلم

كل ما أعرفه أني أصبحت أستيقظ كل يوم وفي قلبي هم كبير، ويمضي يومي وأنا شاردة، ويأتي الليل الطويل أقضيه ساهرة بالتفكير في شيء أو آخر، ووسط كل هذا أطلق من حين لآخر ضحكات مع صديقاتي ما هي إلا ضحكات مزيفة تحتها هم كبير.

لتبعد عني أسئلة الآخرين وعيونهم الفضولية التي أحس بها تخترقني..

نعم.. فأنا الفتاة الجميلة الذكية.. لا شيء ينقصني إطلاقاً بنظرهم، فأنا محظوظة للغاية، لكن لا أحد يحس بمدى الأسى الذي في قلبي لسبب ودون سبب.

أحس أن حياتي فارغة.. بدون هدف!!!

هذه أنا ليندا..

عائلتنا علمانية، يدعون للتحرر وأن الدين في القلب فقط.. لا يطبقون أو يمارسون إسلاماً كالصلاة أو الصيام.

النفس المضطربة.. سخط ونفور..

 رحلتي بدأت منذ صغري.. لما ماتت أمي وكنت تقريباً في التاسعة.. بذلك العمر تكون البنت متعلقة بأمها وحضنها وحبها وحنانها، موت أمي كان صدمة لي وسبب لي نكسة كبرت في داخلي بسبب حرماني منها.

 كلما كبرت صرت أسخط من الله ويزداد نفوري وكرهي لأنه أخذ أمي مني وحرمني منها خاصة عندما أرى بنات صاحباتي وأمهاتهن.. إنه إله ظالم لمَ يعذبني لمَ؟!

 لِمَ لَمْ يتركها معي حتى أكبر على الأقل لمَ لمَ لمَ؟!!! أسئلة كثيرة.. زواج والدي من امرأة أخرى لم يغير شيئا.. كنت لا أحبها أنفر منها.

 هكذا كبرت بي هذه الأفكار.. كلما كبرت كلما اتجهت لفعل أي شيء ضد الله فانغمست في المعاصي فقط سخطاً وتكبراً وعناداً لله لأنه سبب كل ما حدث لي، كنت أفعل كل شيء وألومه وأقول لو تركتها ما كان حصل هذا.

علاقتي بأبي كانت سطحية فهو كان يظن أن توفير المال والترفيه وكل حاجات البيت و الحياة يعني أنه مهتم.

 في سن 15 وأنا بالمرحلة الثانوية عشت حياة مراهقة صاخبة.. من شباب وتبرج ولهو ومرح قيام بأي شيء ليريحني وينسيني حزني، صارت الحياة في عيني لهواً ومرحاً كنت أحس في داخلي بضيق وكدر لكني أحاول تجاوزه بالغطس في ملذات الدنيا..

 تعرفت في الثانوية على صديقة تنصرت ونصَّرت أصدقاء كثر مثلها.. ولما رأت أني أكره الإسلام جذبتني لها وللمسيحية، كنت أذهب معها إلى الكنيسة أحضر معها لا أعرف لمَ قبلت ذلك سوى بحثي عن أي شيء.. أي دين أرتاح فيه.

خرافات وخزعبلات..

 كلها سنتان وبعد التعمق فيها صرت أراها خرافات وخزعبلات لا يقبلها عقل، تركت المسيحية وبقيت بلا دين مع أسئلة في عقلي كثيرة وشكوك.

كبرت وكلي شكوك ووساوس وأفكار في ذات الله، بعدها تحولت لإنكار الأديان وكل شيء، لي أخ ملحد كان يملأ عقلي بأفكار إلحادية فرميت كل الأديان وعشت دون دين..

 كنت أكره الإسلام بسبب كثرة الأفكار السيئة عنه في عقلي وما قرأته من شبهات، كنت أرى أن الإسلام احتقر المرأة وجعلها مجرد عبدة للرجل ومجرد كيس تلف في حجاب، كل شيء محرم عليها..

 أي دين هو الصحيح؟ كل دين أراه خزعبلات وخرافات، كل رسول يخدم مصالحه، والقرآن يحلل له الزواج بالنساء وملك اليمين، أو القتل والذبح باسم الدين، أي إله شرير هذا؟ كل الأديان أتت بالقتل والذبح باسم نشر الدين..

الأديان صناعة بشرية للهيمنة والسيطرة على الأراضي والتوسع والملك، هكذا كنت أراها من المسيحية للإسلام لكل الأديان وإله يظنون أنه لا يظلم وهو أكبر صانع للشر وللظلم في الأرض.

مرت السنوات وأنا معتنقة لهذا الفكر المريض ورحت أنشر سموم أفكاري بين أصدقائي المقربين، وأصبحت بينهم ملحدة بالفعل.

بعد أكثر من 4 سنوات في الإلحاد لم أعد أفكر في قراري الذي اتخذته وتبعته سهرات وخروج ورحلات ودراسة وتسكع..

لكن هيهات، في الفترة الأخيرة بدأت تضيق علي نفسي، صار كل شيء لا يوفر لي سعادة، صرت مخنوقة رجعت للأفكار في ذات الله وخلقه، لمَ خُلِقت؟ كنت أسأل مسلمين فكانوا يشتمونني ويقولون أني ملحدة، كلام سيء يظنون أن كل ملحد هو فاجر، صرت أنفر من المسلمين ولم أجد أحداً يجاوبني، انعزلت في حياتي صرت من الدراسة للبيت لا أخرج.

 أبقى غارقة في فكري أقرأ كتباً عن الإلحاد أو أشارك أصحابي أفكارهم الإلحادية وسخريتنا من المسلمين.

 كنت أتابع في جروب ملحدين عرب سب الله وأنبياء الأديان حتى أنفّس عن ما في داخلي وكان الشيطان يزين لي ذلك العمل، بعدها وصلت لليأس وازددت كآبة.

 لمَ خُلِقت؟؟ هل هناك حياة بعد الموت؟ إن كان هناك عقاب فماذا سيحصل لي؟ ماذا إن كنت مخطئة وكان هناك بعث وإله وأنبياء، ماذا لو؟؟!!! الخوف من الموت كان يؤرقني وينغّص عليّ حياتي.

في إحدى الليالي كنت في غرفتي وحدي وأفكر في الموت وما بعد الموت! في وجودي بما أمر به من عذاب نفسي.. وصلت لمرحلة أني لم أعد أريد هذه الحياة، لم أعد أريد أن أستمر، كرهتها وأريد أن أنهيها وأرتاح.. أخذت حبوباً، وضعتها في كأس وشربتها ونمت، لم أقم إلا وأنا في المستشفى على صوت الطبيب يقول لأبي محاولة انتحار.. انتبهوا عليها.

ظن أبي أن ما بي كان بسبب فقداني لأمي لأني كنت متعلقة بها، موتها سبّب لي نكسة قوية أثّرت على كل حياتي وطريقة نشأتي.. انتهت تلك الليلة.

بداية الطريق..

في أحد الأيام كنت أتصفح أحد المنتديات ووجدت أمامي صفحة «خواطر ملحدة سابقاً»، فانجذبت لها وبدأت بالسباب والشتائم.

بسبب كرهي للمسلمين فعلت ذلك، إذا بصاحبة الصفحة تحذف ذلك وتنشر رابط “منتدى التوحيد” وتقول من يريد أن يبحث عن الحق يدخل لهذا المنتدى، من يريد الشتم والسب لا مكان له بيننا.

جذبني ذلك دخلت وسجلت بالمنتدى وكنت أتصفح فيه، بعدها طلبت فتح حوار مع أحد المحاورين لأطرح أسئلتي، وكان ذلك مع إحدى المحاورات، صبرت معي وشجعتني أن لا أستسلم ولا أترك الحوار.

أشكر لها جهدها وصبرها معي، كانت أكثر من مُحاوِرة، عاملتني كأخت كانت في الخاص تجاوبني وتفسر لي، أحسست أنها فهمتني أكثر من أي أحد وكانت أجوبتها منطقية عقلية علمية.

 بدأت تنقشع الغشاوة عني قليلاً، شيئاً فشيئاً وكنت أسألها في كل شيء، من إثبات وجود الخالق لأصل الكون للأديان والنبوة والقضاء والقدر الذي كنت أجد صعوبة في تقبله وفهمه وغيره كثير، الحمد لله أحسست كأني كنت في مستنقع ووجدت يداً مُدت لي..

 كنت أتمسك بتلك اليد لتنقذني.. كانت هي، أرسلها الخالق لي. أسلمت بعدها واعتقدت أن الأمر سينتهي، لكن لم تنته الوساوس.. ما زالت تأتي عليّ بقوة وصارت تزداد، قيل لي أن الشيطان يحاول أن يردّك للكفر، هذه الوساوس أمر عادي.. وأن أواصل السؤال ولا أكتفي حتى وأنا في الإسلام، هذا ما أفعله.

فالإسلام لا يمنع السؤال.. الآن بعد 4 أشهر من إسلامي تحسنت حالتي كثيراً وصرت ثابتة على يقين بما وصلت له، ما زال ينتظرني الكثير لأتعلم الدين والقرآن..

فالحمد لله الذي هداني وما كنت لأهتدي لولا أن هداني الله.

ما أروع الهداية وإبصار النور والحق بعد الضلال! ما أروع أن يجد المرء نفسه محاطاً بهالات ودفقات إيمانية تنعش نفسه وروحه، وتنتشر في جنباتهما بعد طول ظمأ وإقفار وإعياء: “إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء” (القصص: 56).

____________________________________

المصدر: بتصرف كبير عن كتاب/ العائدون إلى الفطرة، مركز دلائل، الطبعة الأولى، 2016

Soucre Link

Similar Posts