مسلمون حول العالم.. يحتاجون لمن يتعرف عليهم أكثر.. لمن يلمس معاناتهم، ويشعر بطموحاتهم.. ويتحسس مشكلاتهم.. ويشاركهم إنجازاتهم.. سنجمع أخبارهم من كل مكان.. من خلال جولة لرصد حياتهم عن قرب.. والمحطة العاشرة كانت من البرازيل

الملف من إعداد/ فريق التحرير

البرازيل

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بدأت طلائع المهاجرين الجدد تصل إلى “البرازيل” من بلاد الشام و”فلسطين” و”لبنان”، أملاً بكسب لقمة العيش وبجمع المال.

يعود تواجد المسلمين على هذه الأرض إلى فجر اكتشاف القارة الأمريكية؛ فعندما رست سفينة “كابرال” على ساحل “البرازيل”، كان برفقته ملاّحون مسلمون ذوو شهرة عظيمة؛ أمثال “شهاب الدين بن ماجد” و”موسى بن ساطع”.

ويؤكد المؤرخ البرازيلي الشهير “جواكين هيبيرو” في محاضرة ألقاها عام 1958م ونشرتها صحف “البرازيل”، أن العرب المسلمين زاروا “البرازيل”، واكتشفوها قبل اكتشاف البرتغاليين لها عام 1500م، وأن قدوم البرتغاليين إلى “البرازيل” كان بمساعدة البحارة المسلمين الذين كانوا أخصائيين ومتفوقين في الملاحة وصناعة السفن.

وصول المسلمين الأندلسيين إليها:

هاجر بعض المسلمين الأندلسيين سرًا إلى “البرازيل”؛ هربًا من اضطهاد محاكم التفتيش في “إسبانيا” بعد هزيمة المسلمين فيها، ولما كثرت الهجرة الإسلامية الأندلسية إلى “البرازيل”، أقيمت هناك محاكم تفتيش على غرار محاكم التفتيش في “إسبانيا”، وحددت صفات المسلم، وعمدت إلى حرق الكثيرين منهم أحياء.

المسلمون الزنوج:

تؤكد الوثائق التاريخية المحفوظة في المتاحف البرازيلية، أن أكثرية المنحدرين من الأفارقة الذين جيء بهم كعبيد إلى “البرازيل”، هم من جذور إسلامية، وأنهم كانوا يتلون القرآن باللغة العربية.

وقد وصلت أفواج الرقيق إلى “البرازيل” عام 1538، ولم تمضِ 40 سنة حتى نقل إليها 14 ألف مسلم مستضعف، والسكان لا يزيدون على 57 ألفًا، وفي السنوات التالية أخذ البرتغاليون يزيدون من أعدادهم؛ إذ جلبوا من “أنجولا” وحدها 642 ألف مسلم زنجي، وجلّ هؤلاء السود جيء بهم من غرب أفريقيا.. وحُمِل هؤلاء المسلمون في قعر السفن بعد أن رُبطوا بالسلاسل الحديدية، ومات منهم من مات وألقي في البحر من أصيب بوباء أو حاول المقاومة.

اقتلع هؤلاء بالقوة من محيطهم ليكونوا خدمًا مسخرين كالآلات في هذه البلاد، وليس سهلاً تقدير أعداد هؤلاء المنكوبين الذين كانوا يعدّون بالملايين، والذين ظلوا ينقلون من أفريقيا إلى “البرازيل” وإلى كل أمريكا مدة تزيد عن ثلاثة قرون.

شهادة مؤرّخ:

 يقول المؤرّخ “فريري”: كان هؤلاء المسلمون السود يشكلون عنصرًا نشيطًا مبدعًا، يمكن أن نقول إنهم من أنبل من دخل إلى “البرازيل” خُلُقًا، اعتبروهم عبيدًا.

لم يكونوا حيوانات جر أو عمّال زراعة في بداية دخولهم، لقد مارسوا دورًا حضاريًا بارزًا، وكانوا الساعد الأيمن في تكوين البلد الزراعي.

إن “البرازيل” مدينة لهم في كل شيء: في قصب السكر والقهوة التي جلبوها والقطن والحبوب، حتى الأدوات الزراعية الحديدية كلها أفريقية.

كانت وسائل التقنية عندهم أكثر تقدمًا من وسائل الهنود ومن وسائل البرتغاليين أنفسهم، كان هؤلاء المسلمون الزنوج أهم عنصر في عملية تحضّر البلاد، ويُذكر أن أسيادهم الأميين الذين جلبوهم لاسترقاقهم كانوا يتخاطبون مع الأوروبيين من خلال هؤلاء العبيد المتحضرين، يكتب العبد المسلم رسالة السيد إلى زميله السيد الآخر الذي يقرأ له الرسالة عبده المسلم المتعلّم.

الصمود والشهادة:

زومبي

القائد المسلم (جنجا زومبي)

كان مع هؤلاء العبيد شيوخهم الذين يعظونهم ويرشدونهم ويفقهونهم في الدين، وينزلون معهم الأكواخ، ويعلمونهم القرآن ومبادئ الشريعة الإسلامية السمحاء، وبعد أن ازداد عددهم وقويت عزيمتهم، قاموا بعدة ثورات إسلامية تحررية، كان من أهمها تجمع المتمردين منهم في “بالميرس” في شمالي “البرازيل”، في القرن السابع عشر، ولم تستطع السلطات البرتغالية إيقاف مد المسلمين إلا بعد مقاومة طويلة والاستعانة برجال الحدود من مقاطعة “باوليستا” أي “ساوباولو”.

ثم حدثت سلسلة من الثورات في العقود الأولى من القرن التاسع، قام بها هؤلاء المسلمون في الأقاليم الساحلية خاصة في “باهيا”، وكانت قيادة الثورات بأيدي شيوخ “الهاوسا”، لكن ثوراتهم سحقت بمنتهى الوحشية والقسوة، وقد أجبرهم البرتغاليون على ترك دينهم وتغيير أسمائهم، لكن المسلمين لم يستسلموا وظلت ثوراتهم تتكرر وآخرها تلك الثورة الشاملة التي قامت في “باهيا” عام 1835، بعد أن بلغ هؤلاء العبيد المسلمون من قوة الشكيمة في الدين ومن الاعتداد بعقيدتهم.

وقد قاد الثورة ووجّهها الشيوخ، ومعظمهم من ممالك “البورنو” و”سكوتو”، وكانوا مؤدِّبين ووعاظًا وأئمة مساجد ومعلمين للقرآن الكريم، لكن البرتغاليين سحقوهم بوحشية، وظلّت جثث المسلمين تتعفن مدة طويلة على قارعة الطريق وفي عتمة “السنزالات” الخربة، وهذه “السنزالات” عبارة عن أقبية كان البرتغاليون يودعون فيها أولئك المسلمين الذين سُحقت ثورتهم، ويقال إن كلمة “زنزانة” جاءت من هذه اللفظة البرتغالية.

وخمدت الثورة بعد ذلك إلى الأبد، وتنصّر من المسلمين من تنصّر بالقوة، واستشهد من استشهد، وعادت الوثنية إلى أعداد منهم، وما زالت بعض شعائر الوثنية تقام بينهم إلى اليوم في “البرازيل”.

وتقول الروايات أن النقوش الموجودة في سقوف كنائس “باهيا” و”السلفادور” فيها عدة آيات من القرآن الكريم دون أن يشعر القيمون عليها بذلك، لأنهم لا يجيدون العربية، ويتصوّرونها مجرد رسوم، وفي الأصل كانت هذه الكنائس مساجد.

قرار منع الرق:

جاء قرار منع الرق وتحريمه في “البرازيل” عام 1888م متأخرًا؛ حيث فقد هؤلاء الأفارقة هويتهم الإسلامية بعد ثلاثة أجيال من المعاناة والقهر والجهاد، وأصبح ابن الحفيد الأفريقي لا يعرف إلا أنه ابن حفيد منحدّر من جده الأعلى الذي جيء به عبدًا إلى “البرازيل”.

وفي عام 1888م احتفلت ولاية “باهيا” بالذكرى المئوية لإلغاء الرق وبذكرى شهادة “زومبي” زعيم ثورة عام 1835م.

هجرات المسلمين إلى البرازيل في العصر الحديث:

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بدأت طلائع المهاجرين الجدد تصل إلى “البرازيل” من بلاد الشام و”فلسطين” و”لبنان”، أملاً بكسب لقمة العيش وبجمع المال، بعد الفقر الذي عانوه في بلادهم، ولقد جاء هؤلاء المهاجرون الجدد بثقافة دينية عبارة عن عاطفة فطرية نحو هذا الدين، الأمر الذي أدّى إلى انعكاس هذا الضعف الديني على الجيل الأول، فخرج لا يعرف من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه.

وبعد الحرب العالمية الثانية، كثرت هجرات المسلمين إلى “البرازيل” ولا سيما بعد احتلال “فلسطين” وما رافق ذلك من توترات سياسية في المنطقة العربية.

يبلغ تعداد السكان في “البرازيل” حوالي 200 مليون نسمة، ويصل عدد المسلمين إلى مليون، ويتراوح عدد البرازيليين الذين أسلموا ما بين 30 إلى 50%، وتصل نسبة النساء اللاتي أسلمنَ إلى 70% من إجمالي عدد معتنقي الإسلام، ومعظمهن متعلِّمات وحاصلات على شهادات جامعية.

وأكثر تجمعاتهم في ولايات “ساوباولو” و”ريو دي جنيرو” و”بارانا” و”ريوغراندي دي سول”، ولا توجد إحصائيات دقيقة بالنسبة إلى عددهم، إذ تقدّر بعض المصادر عدد المسلمين في “البرازيل” حوالي مليونين.

والجدير بالذكر أن كلمة “توركو” كلمة يطلقها البرازيليون ـ ومن قبلهم أطلقها البرتغاليون ـ على كل عربي مهما كانت ديانته، وسبب هذه التسمية كما يقال في “البرازيل”، أن الدولة العثمانية العليا كانت تحكم كثيرًا من أقطار العالم، وصادف أن عيّنت سفيرًا لها في “البرازيل”، فعند وصول السفير العثماني إلى ميناء “ريو دي جنيرو”، أثناء احتفال “البرازيل” بكرنفال شباط، لم يحلُ للسفير العثماني ما يقام في الكرنفال، حيث الناس يكونون شبه عراة، فقطع زيارته على الفور، وعاد إلى بلاده، فغضبت حكومة “البرازيل” آنذاك، واعتبرته متخلفًا متوحشًا، وأطلق الناس على كل من يمت بصلة إلى الإسلام أو المسلمين أو للعروبة اسم “توركو”.

من المناسب أن نعرف أن أرض “البرازيل” التي تعيش عليها هذه الأقلية المسلمة، أرض شاسعة تبلغ مساحتها أكثر من ثمانية ملايين ونصف من الكيلو مترات المربعة، أي إن مساحتها تبلغ مساحة أربعة أضعاف مساحة شبه الجزيرة العربية كلها.

وديانة “البرازيل” الرسمية هي النصرانية (الكاثوليكية)، إضافة إلى وجود ديانات أخرى يمثل الأفراد المنتمون إليها نسب مختلفة من عدد السكان، ومن بينهم المسلمون.

أبرز متطلبات العمل الإسلامي في البرازيل هي:

  1. 1. محاربة الذوبان في المجتمع نتيجة الزواج المختلط.
  2. 2. الاهتمام بالتعليم الإسلامي، وذلك بدعم المدارس ووضع مناهج مناسبة، وكذلك تعاون الأسرة في توجيه الأبناء إلى التعليم الإسلامي، وتوفير الكتب الإسلامية باللغة البرتغالية.
  3. 3. توجيه المساعدات والمعونات إلى وقف إسلامي يدر دخلا دائما لتمويل الهيئات الإسلامية.
  4. 4. تنشيط الإعلام الإسلامي لمكافحة تحديات الهيئات الضالة وتحديات اليهود والنصارى.
  5. 5. الحاجة إلى دعاة يجيدون اللغة البرتغالية، ولقد قدمت هيئة الإغاثة الإسلامية مشروع معهد للدعاة في برازيليا.
  6. 6. دمج الهيئات الإسلامية، فهناك عدد كبير منها، ومكافحة النعرة القومية.
  7. 7. الاهتمام بنشر الدعوة الإسلامية بين الأفارقة في البرازيل.
  8. 8. مشكلة زواج الفتيات المسلمات أصبحت مشكلة خطيرة للأسرة المسلمة نتيجة الزواج المختلط.

التعليم الإسلامي في البرازيل:

توجد عدة مدارس ملحقة بالمساجد والمدارس الإسلامية في البرازيل، ومن المدارس الإسلامية: مدرستان عربيتان في ساوباولو، وتوجد مدارس في بادراناجوا، وكريبة، وكوبابا، وسان ميجل، ويعمل بالتدريس عدد من المدرسين العرب، غير أنه لا يوجد منهج موحد للتعليم الإسلامي، كما أن النقص واضح في الكتاب المدرسي الإسلامي باللغة البرتغالية، وهي لغة البلاد، والحقيقة أنه لا توجد مدارس بالمعنى الصحيح، وإنما هي فصول ملحقة بالمساجد، وهناك حاجة إلى المدرسين المتخصصين، والأمر يقتضي إنشاء مدارس إسلامية ومعاهد للدعاة، والكتب الإسلامية باللغة البرتغالية.

الإعلام الإسلامي:

الإعلام اليوم من أعم وسائل الدعوة الإسلامية، وللجالية المسلمة في البرازيل مجلة الرسالة، وصحيفة برازيل لبنان، والأنباء، والنفير، وتشترى الأقليات المسلمة مساحات زمنية بالإذاعة والتلفزيون، وتقام المخيمات للشباب الإسلامي، وشاركت في هذا الجمعيات الإسلامية بمساعدة الندوة العالمية للشباب الإسلامي، كما تقيم الجمعيات الإسلامية معارض للكتب الإسلامية وصور المساجد.

أول مسجد في “البرازيل”

يرجع تاريخ بناء المساجد إلى الثلاثينات من هذا القرن، بدأت قصة أول مسجد بتأسيس أول جمعية خيرية إسلامية عام 1929م، واشترت أرض المسجد في سنة 1935م ووضع حجر أساسه في سنة 1948م، وأُكمل بناؤه في حوالي سنة 1960م.

وعندما تم بناء المسجد ظهر كيان الأقلية المسلمة واتسع نشاطها؛ فأخذوا في بناء مدرسة إسلامية، ثم حصلت الجمعية الخيرية الإسلامية على أرض من الحكومة لتكوين مقبرة للمسلمين.

______________________________________________

المصادر: 

مرصد الأقليات المسلمة

شبكة الألوكة الثقافية

Soucre Link

Similar Posts