مسلمون حول العالم.. يحتاجون لمن يتعرف عليهم أكثر.. لمن يلمس معاناتهم، ويشعر بطموحاتهم.. ويتحسس مشكلاتهم.. ويشاركهم إنجازاتهم.. سنجمع أخبارهم من كل مكان.. من خلال جولة لرصد حياتهم عن قرب.. والمحطة الثامنة كانت من إيطاليا

الملف من إعداد/ فريق التحرير

إيطاليا

أكثر من نصف مليون مسلم يتوزعون على الأراضي الإيطالية التي تبلغ مساحتها ثلاثمائة ألف كيلومتراً مربعاً؛ غير أنهم لا يشكلون سوى 1 في المائة من تعداد السكان البالغ 58 مليون نسمة.

خصائص عديدة تجعل إيطاليا مختلفة عن شقيقاتها في الأسرة الأوروبية. فهذا البلد الذي ينزع بعيداً عن أوروبا صوب الشاطئ الجنوبي من المتوسط.. يمتاز بدفئه المناخي والاجتماعي، ما يجعله أكثر تلاؤما مع العالم العربي من أوروبا الباردة.

ولكنّ إيطاليا تعني ما هو أكثر من ذلك، فهي متحف كبير يشهد على عراقة القارة الأوروبية، وهي حصن المسيحية الكاثوليكية، علاوة على انفتاحها الحضاري والتعددية الثقافية التي عرفتها عبر تاريخها الطويل.

وإذا كان الوجود الإسلامي الحديث في هذا البلد المتوسطي نشأ في سياق أفواج الهجرة المسلمة التي عرفتها العقود الأخيرة، فإنّ الشعب الإيطالي ذاته ظلّ الأقدر أوروبياً على تفهم ظاهرة الهجرة وضرورات استيعاب المهاجرين في المجتمع الجديد، لا سيما مع ملايين الإيطاليين الذين هاجروا إلى أقطار أوروبا الغربية، وخاصة ألمانيا وفرنسا وسويسرا، فضلاً عن الذين قصدوا العالم الجديد واستوطنوا الولايات المتحدة الأمريكية باحثين عن فرص أفضل في الحياة

ولذا فلم تكن هناك صعوبات جوهرية في انتظار مئات الآلاف من المهاجرين المسلمين في إيطاليا، فالمجتمع الإيطالي أكثر انفتاحاً ودفئاً من العديد من المجتمعات الأوروبية الأخرى، كما أنّ السحنة الإيطالية السائدة ساعدت على ما يبدو في استيعاب المهاجرين ذوي البشرة السمراء والشعر الأسود.

ورغم هذا كله؛ فإنّ ما يزيد على نصف المليون مسلم الذين يتوزعون على الأراضي الإيطالية التي تبلغ مساحتها ثلاثمائة ألف كيلومتراً مربعاً؛ لا يشكلون سوى 1 في المائة من تعداد السكان البالغ 58 مليون نسمة. وتبدو هذه النسبة متواضعة بالمقارنة مع العديد من دول الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يُعزى إلى تفضيل المهاجرين المسلمين لدول أوروبية أخرى متقدمة على إيطاليا في مستوى الرفاه وفرص العمل ومعدلات الدخل، كما أنّ التجربة الاستعمارية الإيطالية كانت محدودة بالمقارنة مع نظيراتها الأوروبية الأخرى.

وفيما يتعلق بطبيعة المجتمع الإيطالي فإنّ الدكتور أبو بكر قدودة، رئيس مؤسسة التربية والثقافة الإسلامية في إيطاليا، يعيد إلى الأذهان أنّ “الإيطاليين هم شعوب في حقيقة الأمر وليسوا شعباً واحداً، ولم تكن لهم من قبل دولة موحدة، وبينما تجمعهم اللغة فإنّ اللهجات والخصائص المتباينة تُظهر الفوارق فيما بينهم”. ويقسِّم الدكتور قدودة إيطاليا إلى شمال أوروبي بمحاذاة منطقة الألب، وجنوب متوسطي، بينما يتمثل قلب البلاد في كلٍّ من روما والفاتيكان بصفة خاصة.

مسلموا إيطاليا: من طلائع الطلبة إلى تدفق المهاجرين

يرسم المهندس المعماري المسلم الذي يقيم في ميلانو محمود عسفة ملامح النمو التي عرفها العمل المؤسسي في صفوف مسلمي إيطاليا في الربع الأخير من القرن العشرين. وكما يشير في حديثه لموفد (قدس برس)؛ برزت في السبعينيات نشاطات ملموسة في صفوف الطلبة القادمين من العالم العربي، ما قاد إلى تشكيل اتحاد الطلبة المسلمين في نهاية السبعينيات الذي اتخذ له من مدينة بيروجا مقراً له، بوصفها المدينة الأكثر استقطاباً للطلبة الوافدين للدراسة في إيطاليا. وسرعان ما تأسست فروع لهذا الاتحاد في مختلف الجامعات الإيطالية، ومع نهاية الثمانينيات كان هذا التشكيل الطلابي يضم عشرين فرعاً في عموم البلاد.

ومع نمو الوجود الإسلامي تطوّرت الظاهرة المؤسسية من العمل الطلابي التقليدي إلى الشمولية في الأداء والاهتمامات. فمع حلول العام 1988 صدر قانون أتاح المجال أمام الأجانب للحصول على أذون الإقامة القانونية في إيطاليا، لتتدفق على إثره أفواج من المهاجرين طلباً للعمل في البلاد، وانتعش الحجم العددي للأقلية الإسلامية جراء ذلك، وخاصة مع الأعداد الكبيرة من الوافدين من المغرب العربي.

ويلاحظ محمود عسفة في حديثه أنّ اتحاد الطلبة المسلمين في إيطاليا لم يتمكن آنذاك من استيعاب هذه الأفواج وتقديم الخدمات اللازمة لها، بالنظر إلى أنه تشكّل في الأصل لرعاية الشريحة الطالبية، التي كانت حتى صدور القانون إياه العمود الفقري للوجود الإسلامي المحلي.

وتماشياً مع المتغيرات المستجدة؛ أُسدل الستار على اتحاد الطلبة المسلمين ليتبلور من خلاله كيان مؤسسي عريض هو اتحاد الهيئات والجاليات المسلمة في إيطاليا. وتنضوي تحت هذه المظلة المؤسسية العريضة شبكة كبرى من المساجد والمصليات والمؤسسات التخصصية التي تتوزع على مدن إيطاليا وقراها.

مساع حثيثة لتحقيق الاعتراف بالإسلام

تضم إيطاليا حالياً أربعمائة مسجد تقريباً، تُقام فيها الشعائر الإسلامية والصلوات الجامعة، وإن كان عدد المساجد البارزة والتي تتضمن المواصفات الشاملة لدور العبادة الإسلامية لا يتجاوز في حقيقة الأمر عدد أصابع اليد الواحدة. لكنّ افتتاح المركز الإسلامي في روما جاء بمثابة خطوة رمزية هامة على صعيد تعزيز مسيرة الانفتاح المتبادل بين الحياة العامة الإيطالية والإسلام.

وكانت المغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود قد دعا إلى تأسيس المركز المذكور في العام 1973، لكنّ الفكرة استغرقت عقدين من الزمن حتى رأت النور. ويشرف على أعمال المركز منذ افتتاحه سفراء الدول العربية والإسلامية. وإلى جانب هذا النمو المؤسسي في صفوف مسلمي إيطاليا فإنّ رابطة العالم الإسلامي بادرت من جانبها إلى افتتاح فرع لها في روما.

ولعلّ القضية الأكبر التي تشغل اهتمام اتحاد الهيئات والجاليات المسلمة في إيطاليا منذ تأسيسه تتمثل في تحقيق الاعتراف بالدين الإسلامي من جانب الدولة، وكان قد تقدّم الاتحاد بطلب رسمي لهذا الغرض في العام 1990 مع مسودة مقترحة لهذا الاعتراف وبنوده، ثم قام المركز الإسلامي بروما من جانبه بخطوة مماثلة في العام 1992.

وفي تطور لا يخلو من الأهمية؛ جرى في العام 1999 تشكيل إطار تمثيلي شامل للأقلية المسلمة هو المجلس الإسلامي الإيطالي.

الكنيسة الكاثوليكية.. الرقم الصعب في المعادلة الإيطالية

رغم الانفتاح الواضح الذي تبديه الأوساط السياسية والإدارية الإيطالية إزاء المسلمين؛ فإنّ الحالة الإيطالية تتميز بخصوصيتها المتمثلة في السلطة الأدبية التي يتمتع بها الفاتيكان في الحياة العامة، ما يجعل الحديث عن تأثير سياسي للكنيسة الكاثوليكية، يتعدى حدود الفاتيكان، أمراً مألوفا.

ورداً على بعض التصريحات الداعية إلى المعاملة بالمثل، والتي طالب فيها الحكومة الإيطالية بعدم السماح للمسلمين بإنشاء المساجد إلاّ بقدر ما يكون من كنائس في بلاد المسلمين، فإنّ الدكتور أبو شويمة مدير المركز الإسلامي في ميلانو ولومبارديا يقول: (ينبع هذا من جهل أو تجاهل من جانب هذا الكاردينال، ولو استجابت الحكومة الإيطالية له فإنه سيتوجب عليها بلا شك أن تقوم بما لا يريده هو من بناء ألوف المساجد حتى تعامِل المسلمين بمثل ما يُعامل به النصارى في بلاد المسلمين)، كما قال.

وبدوره يشكو الدكتور أبو بكر قدودة من المتاعب التي تجرها النظرة التقليدية لدى المواطنين الإيطاليين التي ترى في أي نشاط إسلامي تحدياً للكنيسة، فهم لا يدركون في العادة أنّ تشييد مسجد لا يعدو أن يكون أمراً طبيعياً، لأنّ المسلم لا يتمكن من العيش بدونه.

اليمين المتطرف يحذِّر من “المستعمرات المسلمة” في إيطاليا

مع الوحدة الإيطالية التي تحققت في 1871، وتعزّزت في عهد موسوليني، تبلورت هوية جديدة لإيطاليا، لكنّ الأمر يبدو عرضة للاهتزاز مع الدعوات الانفصالية التي تتعالى في الشمال الثري “بادانيا”، ويروِّج لها حزب رابطة الشمال اليميني. لكنّ المثير أنّ الحزب المذكور فضّل الزج بالمسلمين بشكل مبكر، على طريقته، استعداداً لحصد أصوات الناخبين في الانتخابات العامة التي تستعد لها البلاد حالياً..

وتبعاً لهذا؛ تبدو مدينة لودي القريبة من ميلانو مسرحاً للتوتر في العلاقة بين المسلمين والمجتمع الإيطالي. إذ ما زالت الأزمة التي شهدتها فيما يتعلق بتشييد مسجد في المدينة عالقة في الأذهان. فبعد أن منحت بلديتها التي يقودها اليسار الديمقراطي قطعة أرض مجانية للمسلمين على أطراف المدينة، تبلغ مساحتها 1500 متراً مربعاً، لإقامة مسجد عليها؛ اندلعت حملة ضارية من جانب رابطة الشمال ومجموعات فاشية؛ لحشد سكان المدينة الذين يبلغ عددهم 43 ألفاً خلف نداءات الدفاع عن “الطابع الثقافي المسيحي” للبلاد.

ويعيش في لودي نحو ألف مسلم، علاوة على ألفي مسلم آخرين يقطنون في المنطقة المحيطة بها، ويُضطرون إلى إقامة الصلوات في صالات المصانع والأقبية المنزوية، دون أن تتوفر لهم حتى الآن الفرصة للصلاة في مسجد جامع.

وأثارت الحملة المعادية للمسلمين ضجة واسعة النطاق تجاوزت حدود المنطقة، إذ قابلت الأحزاب السياسية تلك “التوجهات العنصرية والمعادية للأجانب” التي تروج لها رابطة الشمال بالانتقاد الشديد، لكن القوى الحزبية تدرك جيداً مغزى إثارة هذه الحملة قبيل أشهر من الانتخابات العامة..

المسلمون واليمين المتطرف: وجهاً لوجه

ومقابل هذا التسخين المؤسف؛ ينفي الدكتور علي أبو شويمة أن يكون الشعب الإيطالي بجملته مدموغاً بالعنصرية، أو رافضاً للثقافات الأخرى، فهناك الفئات والقطاعات الكثيرة التي ترحب بتعدد الثقافات واختلاط الشعوب وامتزاج ثقافاتها، لكن بلا شك هناك تيارات تثير الحملات السلبية لتحقيق مكاسب سياسية أو لتعزيز دورها في توازنات القوى.

ورغم التحريض الواضح في الكثير من الحملات المعادية للإسلام فإنّ النخبة المثقفة في المجتمع الإيطالي تراهن على غلبة تيار الانفتاح على دعاة التفرقة والتمييز الديني، بينما يعوّل مسؤولو المؤسسات الإسلامية على وعي “الإيطاليين الذين يفضّلون التعرُّف على الآخر بشكل مباشر ودون حواجز”، كما يلاحظ الدكتور أبو بكر قدودة.

_________________________________________

المصدر: موقع إسلام ويب

Soucre Link

Similar Posts