أنتِ آمنتِ أن الضَّوء خارج الزمن، ولم تَقبلي أن الخالق لا يَخضع لقانون الزمان والمَكان. بمعنى أن الله تعالى قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وأن الله تعالى لا يُحيط به شيءٌ من مَخلوقاته.. أنتِ آمنتِ أن الجُزيئات المُتصلة عندما تنفصل عن بعضها تظل تتواصل مع بعضها في نفس الوقت، ولم تقبلي فِكرة أن الخالق بعلمه مع عبيده أينما ذهبوا.

(مقتطف من المقال)

بقلم/ فاتن صبري **

وهُو معكم أينما كُنتم: 

الخالق

قُلت في نفسي: ما أعظمك يا الله، إذا كان هذا حالك مع من يُشرك بك ويقول لكَ ولد، فما بال حالك بمن قال عنك: لم يَلد ولم يُولد ولم يَكن له كُفُوا أحد. وفرحت كثيرا.

في حِوار لي مَعَ سائقي الشخصي في نيجيريا، وقد كان كاثوليكياً مُتديناً، قال: إنني أُؤمن أن المسيح هو ابن الله، لكنّني على قناعة أنه يجب عليّ أن أدعو وألجأ إلى الله وَحده، فأنا لا أطلب من المسيح أبداً، قال لي مُعقباً: كُنت أدعو الله يوماً وأبكي وأقول: يا رب أنا لا ألجأ إلا إليك، ولا أدعو غيرك، أنت تعرف أنني أنوي الزواج، والزواج مسؤولية، زوجتي في المُستقبل سوف تحمل بابني، ويكون عليّ يوما أن أذهب بها إلى المُستشفى لتضع جنينها، وسوف أحتاج عندها سيارة لأُقلّها بِها، وقُلت: يا رب أريد سيارة خاصة بي، وبَكيت بشدة.

واستطرد قائلاً: وبعد مُرور عِدّة أسابيع، فوجئت بِثرّي من أثرياء مَنطقتنا، وقد كُنت أقوم له ببعض الأعمال مُقابل مبلغ من المال، يقول لي: أنا قد اشتريت لزوجتي هذه السيارة الصغيرة كهدية، ولم تقبلها مني لأنها صغيرة، وأنا مُغتاظ جداً منها، وفاجأني بقوله: أنا سوف أُعطيكَ هذه السيارة.

قال لي السائق: أنتِ لن تتخيلي فرحتي حينها، وكانت فرحتي باستجابة الله لي، أكبر من فرحتي بحُصولي على السيارة.

أمّا أنا فتذكرت قول الله تعالى: “… وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ…” (الحديد:4)، وقُلت في نفسي: ما أعظمك يا الله، إذا كان هذا حالك مع من يُشرك بك ويقول لكَ ولد، فما بال حالك بمن قال عنك: لم يَلد ولم يُولد ولم يَكن له كُفُوا أحد. وفرحت كثيرا.

وفَرحوا بما عِندهم مِن العِلم:

أذكر أنني كُنت دائماً أشعر بالملل خلال تنقلي مع زوجي في بُلدان صعبة، ومُحاولات زوجي الجاهدة لأن يُساعدني للتأقلم والعيش فيها، أذكر أنه قد قام مرةً بدعوة زميل له من دولة أرمينيا مع زوجته على العشاء في مطعم جميل وهادئ، ليُعطيني الفرصة لأتعرف على الزوجة، لعلّ صداقتها تُهَوِّن عَليّ غُربتي.

لقد لفتت نظري هذه الزوجة بحِشمتها وبَراءة وجهها، لدرجة أنني شعرت أنها طاقة من الإيمان والبراءة.

وفرِحت بها، وخُصوصا أنها قالت لي أنها مُدرسة لغة إسبانية، وتُريد أن تتعلم العربية، اتفقنا على أن أُعلمها العربية مُقابل أن تتحدث معي بالإسبانية كل يوم لمدة ساعة حتى لا أنسى هذه اللُّغة، وأبدأ أنا بتعليمها العربية لساعة أُخرى يومياً.

بدأت لقاءاتُنا وكُنّا نَسكن في نفس المُجمع السَكني، ونلتقي في مَطعم صغير داخل المُجمّع. وكانت الأُمور تجري على أحسنِ حال، حتى حَصلت المُفاجأة، عندما سألتني عن معنى كلمة “الحمد لله” الذي يُردّدها المُسلمون، قُلت لها: المُسلم يَحمد خالقه في السَرّاء والضَرَاء، وهو يَعلم أنّ ما يُصيبُه مِن الخير يأتي مِن ربّ العالَمين، وما يُصيبُه من سوءٍ فمن نفسه، وعليه أن يتوب إلى الله ويستغفره.

فاجأتني بما لم أتوقعه وقالت: الله غير مَوجود، أنتم تَضحكون على أنفُسِكم، الحياة ستفنى ونَصير إلى العدم.

أما أنا فشعرت بذُهول شديد، ليس لأنني لم أُقابل مُلحدين في حياتي، فأنا دائما ما أتحاور مع مُلحدين، لكنّني لم أتوقع هذا الوجه الذي يَحمل كل هذه البراءة والحِشمة في اللّباس، يُخفيانِ قلباً أسوداً لا يَعرف الله.

قالت: أنا معي درجات عُليا في الفيزياء، وأبي عالِم فيزياء، وأبي حذّرني مِن الخوض في هذه التُراهات، وكأني أسمع صوتهُ الآن يقول لي: احذري أن يَخدعوكِ.

قُلتُ لها: وعندما تتعرضين لمَواقف صَعبة ولا يستطيع أباكِ نفسه مُساعدتك ولا غيره، فلمن تلجئين؟

قالت: أنا لا أحتاج أحداً، أنا أعتمد على نفسي ولا أحتاج الإله المزعوم أن يُساعِدَني.

قلتُ لها عجيب أمركِ!، كيف يُمكن أن يكون ما تقولينه صحيحاً، وأنتِ فقط عند إصابتك بأنفلونزا حادة قد لا تستطيعين أن تصلي لكوب الماء لتشربي. ماذا قالت لكِ الفيزياء؟ الفيزياء أخبرتك أن هُناك موجات صوتية عليكِ أن تُؤمني بها دون أن تَريْها، وأخبرتكِ عن مَوجات فوق بنفسجية عليكِ أن تُؤمني بها دون أن تَريها، وأن الضَّوء خارج الزَّمان، وأن الجُزيئات المُتّصلة عندما تنفصل عن بعضها تظل تتواصل مع بعضها في نفس الوقت. وأقنعتكِ بوُجود عوالمْ أخرى، وصدقتِ ذلك دون أن تَريْ شيئاً. وأخبركِ العِلم المادي بأن تُؤمني وتُصدِّقي بأشياء غير مَوجودة أصلا كالسَّراب، وتُؤمنين بهذا وتُسلّمين به، وعِند مَوتك لن تَنفَعك الفيزياء ولا الكيمياء، حيث أنهم وَعدوك بالعدم.

أنتِ آمنتِ أن الضَّوء خارج الزمن، ولم تَقبلي أن الخالق لا يَخضع لقانون الزمان والمَكان. بمعنى أن الله تعالى قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وأن الله تعالى لا يُحيط به شيءٌ من مَخلوقاته.

أنتِ آمنتِ أن الجُزيئات المُتصلة عندما تنفصل عن بعضها تظل تتواصل مع بعضها في نفس الوقت، ولم تقبلي فِكرة أن الخالق بعلمه مع عبيده أينما ذهبوا.

أنتِ آمنتِ بأن لديك عقل دون أن تَرينه، ورفضتِ الإيمان بالله دون أن تَرَيْنَهُ أيضاً.

أنت رفضتِ الإيمان بالجَنّة والنّار، وقبلتِ بوُجود عوالِم أُخرى لم تَرَيْها.

قلتُ لها مُعقبةً: مِن المؤمنين أيضاً من لديهِ درجات عُليا بالفيزياء والكيمياء، لكنه يُدرِك أن هذه القوانين الكونية وراءها خالق عظيم، فالعِلم المادي الذي يُؤمن به أباكِ قد اكتشف القوانين التي خلقها الله، لكن العِلم لم يَخلق هذه القوانين. فالعُلماء لن يجدوا شيئا يَدرسونه بدون هذه القوانين التي أوجدها الله. في حين أن الإيمان ينفع المُؤمن في الدُنيا والآخرة. في زيارتك القادمة لأبيكِ، أخبريه بما قُلته لكِ، واساليه عمّن يتبنى التُراهات فعلاً.

قالت: هذه ليست تُراهات، العِلم يَقول: أننا جِئنا نتيجة لأحداث عمياء وعشوائية وغير عقلانية، ووفقًا للعِلم، يتجه هذا الكون نحو الزوال الحتمي وسيُعاني من “الموت الحراري”.

وسيتم تدمير حياة الإنسان قبل هذا الموت الحراري، حيث ستقوم الشّمس في نهاية المطاف بتطهير الأرض.  طبعا النهاية للموت والعدم.

قُلت لها: بناءً على ذلك إذا افترضنا أن هذه الحياة عِبارة عن سَفينة غارقة برُكابها لا مَحالة حسب قولك، فما الهدف من توفير وسائل الراحة على سطح هذه السفينة.

من دون الخالق.. أين الطريق؟

وكُنتُ قد استطردتُ حواري مع هذه السيدة الأرمينية قائلةَ لها: أنتم تَزعمون أن كُل شيء لا معنى له جوهريًا، وبالتالي لدينا الحُرية في إيجاد مَعنى لأنُفسنا من أجل الحُصول على حياة مُرضِية. إنكار الهدف من وُجودنا، هو في الواقع خِداع للذات. وكأننا نقول لأنفسنا “دعونا نفترض أو نتظاهر بأن لدينا هدفاً في هذه الحياة”. وكأنّ حالنا كحال الأطفال الذين يتظاهرون باللَّعب بأنهم أطباء وممرضين، أو أمهات وآباء.

 إننا لن نحقق السعادة إلا إذا عرفنا هدفنا في الحياة.

قالت: أنا سعيدة هكذا.

قُلت لها: ما هي السعادة الحقيقية والهادفة؟ تخيلي أنكِ وُضعتِ ضد إرادتك في قطار فخم. وتجدين نفسكِ في الدرجة الأولى، تَجربة فاخرة ومُريحة، قِمّة في الرّفاهية.

هل ستكونين سعيدة في هذه الرحلة دون الحصول على أجوبة لأسئلة تدور في ذهنكِ مِثل: كيف رَكبتِ القطار؟ ما هو الغرض من الرِّحلة؟ الى أين تتّجه؟ إذا بقيت هذه الأسئلة دون إجابة، كيف يُمكنك أن تكونين سعيدة؟ حتى إذا بدأتِ في الاستمتاع بكل الكماليات التي تحت تصرفك، فلن تُحقّقي أبدًا سعادة حقيقية وذات مَغزى. هل الوجبة الشهية في هذه الرحلة كافية لأن تُنسيك ِهذه الأسئلة؟

إنّ هذا النّوع مِن السّعادة سَيكون مُؤقتًا ومُزيفًا، لا يَتحقّق إلا بِتجاهل مُتعمَّد لإيجاد أجوبة لهذه الأسئلة المُهّمة. إنها كحالة من حالات النشوى الزائفة الناتجة عن السُكر التي تُودي بصاحبها إلى الهلاك.

حينها تفاجَأتُ بِتغيّر في نَبرة صَوتها، وقالت: حسناَ، إذا كان الله حقا ًمَوجود، فهذا بالنسبة لي سيّان، فأنا على أية حال زوجة صالحة، ولا أُؤذي أحداً، وأعامل الجميع باحترام. فلماذا سوف يُعاقبني؟

تذكرتُ حينها قول الله تعالى:

وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَىٰ ۖ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ“. (النحل:62)

وقوله:

وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا” (الكهف: 36)

قُلت لها: ما فائدة عِلاقتك بكلّ مَن حَولَكِ، إذا كانت عِلاقتك بخالِقِكِ مَقطوعة، هل تَقبلينِ عِلاقتُك مع والدِك الذي تتخذينه مِثالاً، أن تكون أسوأ عِلاقة في حياتك؟ وهل سيَقبَل والدُك بهذا ويُكافكِ عليه؟

يُتبع >>>


** فاتن صبري (1973) مفكرة إسلامية، تعمل في مجال الدعوة للتوحيد وتصحيح المفهوم الخاطئ عن الخالق، عُرفت بنشاطاتها في التواصل مع مختلف الثقافات والديانات، تتحدث خمس لغات، درست مقارنة الأديان، ونشرت العديد من الكتب، وتُرجمت بعض كتبها لأكثر من 14 لغة.

Soucre Link

Similar Posts